Professor Dr Helmi Al Hajjar, Attorney at law
- Litigation, legal consultation and arbitration.
- Legal advice and services in the field of real estate, financial, commercial civil and administrative contracts and in the preparation of case memorandums for submission to the court of cassation under both Lebanese and UAE laws.
- Over 25 years of experience as a practicing lawyer through his own firm in Beirut, Lebanon in addition to his experience as a judge in Lebanon for 17 years and a judge in the commercial chamber in the court of cassation in Abu Dhabi.
- Professor at the higher institute of Legal studies at the faculty of law and political and administrative sciences at the Lebanese University in Beirut.
- Registered arbitrator at the Abu Dhabi Commercial Conciliation and Arbitration Center
Address: Hamra Street, Rasamny Center, 3rd  floor, Beirut, Lebanon.
Mobile: + 961 3 788848, Landline: +961 1 788889
Email: hajjar.legal@gmail.com, emihajja43@gmail.com         

Back

محاماة واستشارات قانونية

أبحاث ومقالات

الضمانات المتوفرة لحماية الحريات العامة خارج إطار السلطة - سياسية وعامّة

المحامي الدكتور حلمي الحجار
26/10/2019  //  كتاب المنهجية في حل النزاعات ووضع الدراسات القانونية


الضمانات المتوفرة لحماية الحريات العامة خارج إطار السلطة
مقدمة
(1) ـ المخاطر التي تهدد الحريات العامة: يضع النظام القانوني في البلد عادة ضمانات تحمي الحريات العامة بمواجهة المخاطر التي يمكن أن تتهددها، وبالتالي     إن وضع الضمانات يشكل ضرورة ناجمة عن وجود خطر يهدد دوماً الحرية     الفردية، وحتى تأتي الضمانات كافية وفعالة يجب أن تكون بحجم ذلك الخطر. ومن ثم لا بد من تحديد مصدر ومدى الخطر الذي يمكن أن يهدد الحرية، لأن      معرفة مصدر الخطر يحدد الجهة التي يفترض أن تأتي الضمانات بمواجهتها، كما     أن تحديد مدى هذا الخطر يوضح حجم الضمانات الضرورية لتجنب ذلك الخطر.
إن المصدر الأول الذي يمكن أن يهدد الحرية الفردية هو السلطة، فالتجربة  تدل على أن السلطة بطبيعتها هي عدو الحرية ويصل مدى الخطر هنا إلى حد   التضحية الكاملة بالحرية ومن ثم سلبها كلياً من قبل السلطة، وهذا يعني أن مدى   الخطر هنا يبدو كبيراً، الأمر الذي يفرض وضع ضمانات فعالة لتدارك ذلك      الخطر. ولكن المفارقة هنا تكمن في أن ضمان الحريات العامة يأتي أولاً من        جانب السلطة، وهذا يبرز ازدواجية السلطة حيال الحريات العامة فإذا كانت السلطة   هي التي تشكل الخطر الأول على الحرية فإن السلطة هي التي توفر الضمانات   لحمايتها في آن. وهذا يُفْضي إلى القول أنه بقدر ما تكون سلطة الدولة قوية بقدر ما يفترض تفعيل الضمانات بمواجهتها، وبالعكس بقدر ما تكون سلطة الدولة      محدودة بقدر ما تكفي ضمانات أقل، وهذه النتيجة لا تقتصر فقط على موضوع  الحريات العامة بل هي تشمل النظام السياسي والدستوري بمجمله، ومن ثم فإن الضمانات الضرورية هي تلك التي تقديم نوعاً من التوزازن بين السلطة والحريات العامة.
ولكن إذا اختل هذا التوازن لمصلحة السلطة، ولم تعد الضمانات الموضوعة داخل السلطة كافية أو فعالة لحماية الحريات العامة، فعندها قد يبحث الأفراد        عندها عن ضمانات خارج إطار السلطة؛ بمعنى أنّه إذا لم تنفع الضمانات من       داخل السلطة في حماية الحريات العامة، فقد يلجأ الأفراد إلى ضمانات من خارج  السلطة بهدف فرض احترام القانون من قبل أجهزة السلطة ضمن النظام الدستوري والقانوني السائد في الدولة؛ وإذا لم تُجْدِ تلك الضمانات نفعاً فقد يصل الوضع          إلى حد اعتبار النظام القانوني السائد غير كافٍ لضمان الحريات العامة فيلجأ الأفراد عندها إلى وسائل لفرض احترام شرعية لا يوفرها النظام القانوني، ومن ثم فإن الضمانات من خارج السلطة يمكن أن تتمثل بضمانات لفرض احترام القانونية     (الفقرة الأولى) أو ضمانات لإحلال شرعية جديدة وقيام نظام قانوني جديد يضمن الحريات العامة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى
الضمانات لفرض احترام القانونية
(2) ـ أنواع الضمانات: إن ضمان الحريات العامة يجب أن يأتي مبدئياً من داخل السلطة سواء بما تقوم به تلك السلطة من أعمال لحماية الحريات العامة أو سواء بإخضاع أعمالها لرقابة أعضاء آخرين من أعضاء السلطة لمنع كل انتهاك    يمكن أن تتعرض له الحريات العامة. ولكن بموازاة الضمانات من داخل السلطة، وإذا لم تحقق تلك الضمانات غايتها، فقد يوفر القانون للأفراد بعض الوسائل للفت نظر أعضاء السلطة إلى ما تتعرض له الحريات العامة أو بعضها من     انتهاكات، على هامش القانون، على يد بعض أجهزة السلطة (أولاً) أو اللجوء إلى   بعض المؤسسات، خارج إطار السلطة، التي أولاها النظام القانوني مهمة الدفاع       عن القانون وحماية الحريات العامة (ثانية).
أولاً ـ اتخاذ مواقف للفت نظر السلطات إلى ما تتعرض له بعض الحريات العامة من انتهاكات:
(3) ـ بتوجيه العرائض إلى السلطات السياسية العليا(Droit de pétition): إن تقديم العرائض يعني حق المواطنين بمخاطبة أعضاء السلطة العليا في الدولة   مباشرة بهدف حملها على التدخل والتحرك لضمان بعض الحريات العامة التي    تتعرض للتهديد من قبل بعض أجـهزة السـلطة علـى هامش القانون ومن ثم تغاضي الأجهزة المختصة عن تلك الانتهاكات أو مساهمتها فيها. فالسلطة كائن مجرد  يتجسد بمجموعة من الأعضاء والأجهزة ويتولى ممارستها بالنهاية أشخاص طبيعيون يناط بهم إصدار الأوامر واتخاذ القرارات وتنفيذها باسم السلطة، فإذا وجد الفرد أن إحدى حرياته العامة انتهكت بسبب تغاضي أو تواطؤ من أجهزة السلطة المناط     بها أصـلاً ضـمان تلك الحــرية، فقد يلجأ إلى مخاطبة السلطة العليا وأعضائها للتدخل بهدف فرض احترام القانونية وضمان الحرية؛ ومخاطبة السـلطة بالشـكل المتقدم لا يقتصر فقط على موضـوع الحـريات العامة بل يشمل كل جوانب النظام القانوني في الدولة، ولكنه بموضوع الحريات العامة يمكن أن يلعب دوراً مزدوجاً:
الأول: لفت النظر إلى الاعتداء على إحدى الحريات العامة في قضية معينة ومن ثم الطلب إلى السلطات المختصة التدخل لحماية تلك الحرية عن طريق فرض احترام الضمانات القانونية.
الثاني: تسليط الضوء على عدم كفاية الضمانات القانونية لحماية الحرية ومن ثم المطالبة بتعديل النصوص المرعية بشكل توفر ضمانات أكثر قوة وفعالية لحماية الحريات. ويمكن أن تأتي العريضة بشكل فردي موقعة من فرد واحد أو بشكل    جماعي موقعة من مجموعة من الأشخاص.
ويمكن أن توجه العريضة إلى أي من أعضاء السلطة العليا، أي إلى رئيس الدولة أو رئيس مجلس النواب أو رئيس الحكومة أو وزير العدل...، كما يمكن أن توجه إلى لجان حقوق الإنسان، وهنا تجدر الإشارة إلى أن النظام الداخلي      لمجلس النواب اللبناني، كما تعدّل بتاريخ 18/10/1994 أنشأ لجنة خاصة «بحقوق الإنسان والنظام الداخلي لمجلس النواب» وهي مؤلفة من ثمانية أعضاء.
وفي الواقع أن بعض الدساتير في فرنسا لحظت حق المواطن بتوجيه العرائض، فدستور 1791 أورد ضمن الفقرة /3/ من الباب الأول منه وتحت عنوان أحكام أساسية مضمونة بالدستور: «حرية توجيه العرائض الموقعة بشكل   إفرادي إلى السلطات الدستورية» كذلك أقر دستور السنة الثامنة للثورة حق كل    شخص بتوجيه العرائض الفردية إلى السلطات الدستورية.
كما ان الدستور اللبناني كرس حق المواطن بتوجيه العرائض مشترطاً ان تقدم العريضة خطياً، وبالفعل تضمنت المادة /47/ منه أنه  «لا يجوز توجيه العرائض    الى المجلس إلا خطياٌ، ولا يجوز تقديم العرائض بصورة شفوية أو دفاعية» كما أن النظام الداخلي لمجلس النواب اللبناني المعدل بتاريخ 18/10/1994، تضمن فصلاً خاصاً هو الفصل الثامن بعنوان «العرائض والشكاوى» (المواد 45 إلى 48)    إلا أن الأحكام التي تضمنها هذا الفصل لم تبين من له حق التقدم بالعريضة أو    بالشكوى ولكنها فرضت أن تكون العريضة أو الشكوى موقعة ومن ثم تهمل كل  عريضة أو شكوى ترد غير موقعة أو تتضمن عبارات نابية.
وإذا استوفت العريضة أو الشكوى شروطها الشكلية تدرسها هيئة مكتب المجلس وتقرر إما حفظها أو إحالتها إلى اللجنة الدائمة المختصة أو إلى الوزير  المختص كما لها أن تعرضها على المجلس بهيئته العامة.
وإذا لم يجب الوزير المختص على العريضة أو الشكوى خلال شهر فيتوجب على هيئة مكتب المجلس أو اللجنة المختصة أن تقرر عرضها على المجلس مع تقرير بالوقائع والمقترحات عند الاقتضاء.
وتتخذ العرائض والشكاوي عادة تسميات مختلفة أهمها الكتاب المفتوح الذي أصبح مألوفاً في لبنان. ويمكن أن تظهر بأحد مظهرين:
الأول: يمكن أن تتخذ شكل شكوى فتظهر وكأنها مراجعة بشأن ظلامة  مرفوعة إلى السلطات العليا في الدولة.
الثاني: يمكن أن تظهر بشكل تعبير عن حرية الرأي فترتدي طابعاً أعلامياً أو طابع التمني لاتخاذ موقف محدد من قبل السلطة بموضوع معين، وهنا تظهر حرية الرأي أحياناً وكأنها تهدف لحماية غيرها من الحريات العامة.
(4) ـ ممارسة بعض الحريات العامة بهدف حماية غيرها من الحريات ـ الضمانات الذاتية المتبادلة بين الحريات العامة: أن الحريات العامة تشكل نظاماً   قانونياً متكاملاً، بمعنى أنها جميعها متممة بعضها لبعض، وتبعاً لذلك يمكن أن  تهدف ممارسة حرية معينة إلى حماية غيرها من الحريات العامة التي تتعرض    للتهديد؛ فحرية الاجتماع والتظاهر وحرية إبداء الرأي والإضراب يمكن أن تستعمل أحياناً لضمان باقي الحريات العامة.
ـ إن حرية الاجتماع وحرية التظاهر قد تهدف، من خلال ممارستها، للدفاع عن بعض الحريات العامة الأخرى التـي يمكن أن تكون معرضة للتهديد من قبل السلطة.
ـ كما أن حرية إبداء الرأي خصوصاً من خلال وسائل الأعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة تلعب دوراً هاماً فـي حمايـة باقـي الحريات العامة، إذ من خلال تلك الوسائل يمكن لحرية الرأي أن تلعب دوراً فعالاً عن طريق تحريك الرأي العام باتجاه حماية حرية معينة ومن ثم تحريك السلطة باتجاه توفير الضمانات اللازمة لتلك الحرية.
ـ كذلك أن حق الأضراب يمكن أن يخدم باقي الحريات العامة، بالطبع إن  حق الاضراب لقطاع العمال يجب أن يهدف بالدرجة الأولى لتحقيق القضايا المطلبية للعمال، إلا أن الإضراب يمكن أن يتجاوز أحياناً نطاق القضايا المطلبية   للعمال ويشكل وسيلة لضمان الحريات العامة، وعندها قد لا يقتصر الإضراب على العمال بل يمكن أن يشمل كل فئات المجتمع، ومن ثم لا يبقى منحصراً في      إطار العلاقة بين العمال وأرباب العمل بل يتجاوز ذلك ليتخذ طابع الموقف السياسي بمواجهة السلطة العامة. وفي هذه الحالة يمكن أن يهدف الاضراب لحماية الحريات العامة أو لدعم طروحات أخرى ضمن النظام السياسي أو القانوني. ولكن الاجتهاد يعتبر أن الإضراب لأغراض سياسية يعتبر غير قانوني)1(.
في كل الحالات المتقدمة تبدو الحريات العامة متممة بعضها لبعض وكأنها تنطوي على ضمانات ذاتية لحماية نفسها بمواجهة انتهاكات السلطة.
ثانياً ـ ضمان الحريات العامة من خلال مؤسسات خارج إطار السلطة في  بعض البلدان الأجنبية.
(5) ـ المدافع عن القانون وحقوق المواطنين (الامبدسمان L'Ombudsman) في السويد: إن كلمة «الامبدسمان» معروفة منذ القدم في السويد، وقد أصبحت معروفة حالياً في سائر اللغات، وهي تعني الوكيل أو المندوب أو الممثل أو المفوض.. وتنصب مهمته الأساسية على الدفاع عن القانون وحقوق المواطنين.
لقد ظهرت مؤسسة الامبدسمان في السويد بشكلها القانوني في دستور/ 1809/، ولكن قبل هذا التاريخ كان يوجد منذ عهد طويل إدارة ملكية un office  royal مهمتها السهر على حسن تطبيق القوانين والأنظمة من قبل أجهزة السلطة وعمالها، فأتى دستور /1809/ وأنشأ مؤسسة الامبدسمان للدفاع عن القانون.
ويتم تعيين الامبدسـمان عـن طـريـق الانتخاب من قبل البرلمان لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد ويجب أن يكون المرشح لهذا المنصب مشهوداً له بالعلم في الحقل القانوني وبالنزاهة والتجرد. وفي البداية وعند صدور دستور /1809/ كان    يقوم بمهمة الامبدسمان شخص واحد إلا أن العدد ازداد مع الوقت ووصل عام /  1968/ إلى ثلاثة أشخاص.
وبتعيين الامبدسمان من قبل البرلمان ظهر وكأنه يهدف لفرض احترام مبدأ فصل السلطات كون مهمته تنصب على مراقبة احترام القوانين من قبل أجهزة السلطة الإدارية ومن قبل المحاكم.
ولكن رغم انتخاب الامبدسمان من قبل البرلمان إلا أنه يمارس صلاحياته وسلطاته بالاستقلال الكامل عن البرلمان والحكومة بمعنى أن أياً منهما لا يملك أية  سلطة تجاهه فهو يستقل باختيار وتعيين معاونيه كما أنه لا يتلقى أية تعليمات من  قبل أعضاء السلطة، من هنا يظهر وكأنه مؤسسة قائمة خارج إطار السلطة للسهر    على حسن تطبيق القانون وحماية حقوق المواطنين بمواجهة أعضاء السلطة، ومن      ثم فهو لا يتبع ولا يخضع في قيامه بوظيفته إلا لسلطة القانون)1(.
ويتضح من خلال ذلك أن وظيفة الامبدسمان تتجاوز موضوع الحريات   العامة لتشمل النظام القانوني في الدولة بمجمله، إلا أن الحريات العامة وبالأخص حماية الحرية الفردية حيال التوقيفات الكيفية، تظهر بشكل صريح بين المواضيع التي يجب على الامبدسمان أن يوليها عناية خاصة.
ويشمل اختصاص الامبدسمان، وباستثناء الوزراء، كل عمال السلطة العامة وأجهزتها بما في ذلك القضاة، وهو يسهر على احترام القانونية واحترام الكرامة الشخصية للإنسان واحترام حرية الصحافة والمعاملة السوية للمواطنين بشكل عام بمن فيهم رجال قوى الأمن والمساجين.
ويتم تحرك الامبدسمان إمّا عفواً بناء على تحقيقات يقوم بها هو ومعاونوه أو بناء لتحقيقات صحفية يتولاها مكتبه وإما بناء لطلب أو شكوى من أحد المواطنين،  وتلقية الشكاوى من المواطنين وتقديم الدعوى بالاستناد إليها غير مرهون بتوفر الشروط العامة للدعوى - وبالأخص الصفة والمصلحة - عند من قدم الشكوى بل   يمكن أن تَرِد الشكوى من أي مواطن فتظهر الدعوى هنا بمظهر الدعوى العمومية المفتوحة أمام جميع المواطنين يمارسها الامبدسمان باسمهم..
ويتمتع الامبدسمان بأوسع الصلاحيات بمواجهة أجهزة السلطة من أجل استجلاء القضايا التي يضع يده عليها، فله أن يقوم بكل التحقيقات بما فيها الاطلاع على المستندات وإجراء الاستجوابات دون أن يخضع في عمله لأية صيغ شــكلية، وعلـى ضوء التحقيقات التي يجريها، يجوز له أن يتخذ أحد المو اقف التالية:
ـ إذا وجد أن القضية يمكن أن ترتب مسؤولية مدنية أو جزائية ضد أحد أفراد السلطة من موظفين أو قضاة، يكون من حقه أن يقيم الدعوى عليه أمام المحكمة المختصة تماماً كالنيابة العامة.
ـ إذا وجد أن هناك مخالفة للقانون تشكل خطأ قليل الأهمية لا يستدعي تقديم الدعوى، فيمكنه أن يكتفي بتوجيه أخطار أو تنبيه أو إنذار إلى الموظف.
ـ كما يمكن أن يكتفي بتوجيه إرشادات إلى الموظف تتعلق بحسن تطبيق القانون دون أن ينسب إلى هذا الموظف أي خطأ.
ويتضح من خلال ما تقدم أن الامبدسمان لا يعتبر محكمة ومن ثم لا يمكنه    أن يصدر أي قرار بموضوع أي نزاع كما لا يعتبر سلطة إدارية تستطيع إصدار القرارات، فمهمته تقتصر فقط على إجراء التحقيقات وقبول شكاوى المواطنين ليتخذ على ضوئها الموقف الذي يراه مناسباً للدفاع عن القانون وحماية حقوق  المواطنين، سواء بتوجيه الإرشادات أو الإنذارات إلى الموظفين والقضاة أو بإقامة الدعوى ضدهم أمام المحكمة المختصة. وهنا تُفْضي المراقبة غير القضائية، ومن   خارج أجهزة السلطة، إلى ملاحقة قضائية متى تقدم الامبدسمان بدعوى أمام المحكمة المختصة.
إلا أن مهمة الامبدسمان تنحصر فقط بأفراد السلطة العامة وأجهزتها المختلفة ومن ثم لا يمكنه أن يتحرك بمواجهة الأفراد العاديين، لأن هذا الموضوع يخرج عن اختصاصه.
ويجوز له دوماً أن يتوجه إلى الحكومة بمقترحات لتعديل القوانين والأنظمة المرعية، كما يقدم تقريراً سنوياً عن نشاطاته وعن الأعمال التي قام بها وأهم   المخالفات التي صار اكتشافها، والمقترحات التي يراها مناسبة لحسن سير عمل   الإدارة، وينشر هذا التقرير علناً.
ويبدو أن التجربة السويدية حظيت بإعجاب بعض الدول الأخرى، فاعتمدت  تلك الدول مؤسسة الامبدسمان في قوانينها بصيغ مشابهة متقاربة أو مختلفة بعض  الشيء عن الصيغة السويدية، وكانت فنلندا أول تلك الدول إذا أخذت بمؤسسة  الامبدسمان في دستورها الصادر فور استقلالها عام 1919، وتلتها الدانمارك بموجب قانون صدر بتاريخ 11/9/1954 وأدخلت عليه بعض التعديلات عام /1956/، وألمانيا الاتحادية عام /1956/ بالنسبة للقوى المسلحة، وكيبك - كندا  - وأخذ هناك اسم حامي المواطنين le protecteur des citoyens، بموجب قانون صدر بتاريخ 14/11/1968، ثم أسبانيا عام 1982 وقد أطلقت عليه اسم  المدافع عن الشعب Le défenseur du peuple.
وقد أعدت دراسات وعقدت مؤتمرات بموضوع مؤسسة الامبدسمان، ويظهر أن تلك المؤسسة كان لها صداها في بعض البلدان ومنها فرنسا التي أنشأت مؤسسة مشاهبة باسم المدافع عن الإنصاف.
(6) ـ المدافع عن الإنصاف أو الوسيط (le médiateur) في فرنسا:    أبان حرب الجزائر وبسبب الانتهاكات الخطيرة التي تعرضت لها الحريات العامة، وبالأخص استعمال وسائل التعذيب، قررت الحكومة الفرنسية بتاريخ 20/8/ 1957 إنشاء لجنة لضمان الحقوق والحريات «Commission de sauvegarde des droits et libertés» ثم أعادت تنظيم تلك اللجنة بموجب قرار صدر بتاريخ 20/8/1958، إلا أن اللجنة لم تقم بعمل يذكر بسبب الأوضاع المضطربة التي كانت تحيط بظروف عملها.
ولكن رغم فشل اللجنة في عملها، فإن فكرة الضمانة غير القضائية للحقوق والحريات العامة لم تغب عن البال في فرنسا، ولعل ذيوع صيت الامبدسمان على الطريقة السويدية كان له أثره على صعيد الرأي العام والسلطة العامة في فرنسا،   فصدر بتاريخ 3/1/1973 قانون أنشأ مؤسسة المدافع عن الإنصاف أو الوسيط  (le médiateur)، وقانـون آخر بتاريخ 24/12/1976 وسع وسائل عمله ومسؤولياته.
ولكن على خلاف الطريقة السويدية بتولية الامبدسمان من قبل البرلمان، فإن تولية المدافع عن الإنصاف في فرنسا تتم من قبل السلطة الإجرائية بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء لمدة ست سنوات. ومنذ عام /1978/ أصبح يوجد في كل     محافظة مدافع عن الانصاف تشمل صلاحيته نطاق المحافظة.
ورغم تعيينه من قبل السلطة الإجرائية إلا أنه يعتبر سلطة مستقلة «Autorité indépendante» لا يتلقى تعليمات أو أوامر من أية سلطة أخرى)1(.
إلا أنه، بخلاف الامبدسمان، لا يضع يده مباشرة على شكاوى المواطنين  بل فقط بواسطة عضو من أعضاء البرلمان سواء في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، بمعنى أن المواطن يوجه الشكوى إلى عضو البرلمان فإذا وجد الأخير أن الشكوى جديرة بإحالتها إلى المدافع عن الإنصاف فيحيلها إليه وعندها يضع الأخير    يده على الشكوى ويعطيها مجراها القانوني. ويملك المدافع عن الإنصاف سلطة    واسعة في إجراء التحقيقات بموضـوع الشــكاوى التي يتلقاها، وقد وســع قانون /    1976/ نطاق هذه السلطة: فالوزراء ملزمون بالترخيص للموظفين التابعين لهم    بتزويد المدافع عن الأنصاف بكل المعلومات التي يطلبها دون أن يحق لهم التذرع  بسرية المعلومات الإدارية، إذ أن السرية لا تنطبق عليه.
وتشمل صلاحياته كل الحالات التي يظهر فيها أن جهازاً من أجهزة السلطة العامة لم يقم بوظيفته طبقاً للمصلحة العامة التي يفترض به أن يؤمنها، وبالطبع أن    تلك المهمة تشمل بين ما تشمله الانتهاكات التي يمكن أن تتعرض لها الحريات     العامة، لأن تلك الانتهاكات من قبل أجهزة السلطة تشكل ابتعاداً منها عن مفهوم  المصلحة العامة التي التزمت القيام بها.
ولكن بنتيجة التحقيقات التي يجريها فإن سلطاته تبقى محدودة نسبة  للامبدسمان، فقد رأينا أن الأخير يجوز له أن يتقدم بالدعوى ضد أي موظف في   الإدارة (راجع البند السابق) أما المدافع عن الإنصاف فلا يملك هذه السلطة بل    ينحصر دوره بتوجيه توصية (Recommandation) إلى الإدارة المختصة دون أن يكون تلك التوصية أية قوة ملزمة، وإنما يجوز نشر التوصية علنا، وبالتالي فإن    المدافع عن الإنصاف لا يتمتع بأية سلطة ملزمة للإدارة باستثناء حالة وحيدة هي     حالة امتناع الإدارة عن تنفيذ حكم قضائي، إذ في هذه الحالة يتمتع المدافع عن   الإنصاف بسلطة إلزام الإدارة بأن تذعن للحكم، ولكن حتى في هذه الحالة فإن      سلطته تبقى ضمن إطار من الضغط المعنوي لأنه إذا لم تمتثل الإدارة إلى أمره فهو    لا يملك الوسائل الكفيلة بإلزام الإدارة بالتنفيذ.
ويمكن للمدافع عن الإنصاف، وبنتيجة التحقيقات التي يقوم بها من خلال القضايا التي يضع يده عليها أصولاً، أن يتقدم إلى الحكومة بمقترحات من أجل إصلاح الوضع الإداري، فيلعب هنا دور الأداة لكشف الخلل الإداري وإصلاحه.
ولكن التجربة أثبتت حتى الآن أن دور المدافع عن الإنصاف بقي محدوداً    في مجال حماية الحريات العامة.
(6 مكرر) - ـ وسيط الجمهورية في لبنان أقرب الى الوسيط في فرنسا منه الى الامبدسمان السويدي
إن وسيط الجمهورية الذي تم انشاءه في لبنان بموجب القانون رقم /664/ الصادر بتاريخ 4/2/2005 جاء في ذات الاطار الذي يندرج  ضمنه الامبدسمان السويدي وتالياً الوسيط في فرنسا ومن ثم فهو يتمتع بذات الخصائص، إلاّ ان طريقة تعيينه واختصاصاته جاءت اقرب الى الطريقة الفرنسية ومن ثم بقي دوره اقل فعالية من الامبدسمان السويدي

ـ طريقة تعيين وسيط الجمهورية في لبنان
على خلاف الطريقة السويدية بتولية الامبدسمان من قبل البرلمان، فإن تولية وسيط الجمهورية في لبنان تتم من قبل السلطة الإجرائية بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء المادة 2/1 ،
ـ مدة ولاية الوسيط
 في لبنان اربع سنوات (المادة 2/1 )  كما هو الوضع في السويد في حين ان مدة ولاية الوسيط في فرنسا هي ست سنوات.
ـ استقلالية الوسيط
لكن رغم تعيين الوسيط من قبل السلطة الإجرائية في لبنان كما في فرنسا  إلا أنه يعتبر سلطة مستقلة ( Autorité indépendante  ) لا يتلقى تعليمات أو أوامر من أية سلطة أخرى ، وقد اكدت المادة الاولى على الاستقلالية فنصت على ما يلي:
  ـ وسيط الجمهورية شخصية مستقلة لا تتلقى التعليمات من أي سلطة
وقد اكدت المادة المادة الرابعة عل الاستقلالية بالنص على منع ملاحقة الوسيط بسبب الآراء التي يبديها والمتعلقة بممارسته مهمامه أو بمعرضها.
ولكن لا شك في أن تعيين الوسيط من قبل السلطة الاجرائية في لبنان كما في فرنسا من شأنه ان  يضعف مركز الوسيط في حين ان توليته من قبل البرلمان كما هو الوضع في السويد من شانه ان يقوي مركزه ويحصن استقلاليته
ـ كيفية وضع الوسيط يده على القضايا
يمكن للوسيط ان يضع يده على القضايا:
ـ إمّا بناء للطلبات التي تقدم اليه من أي شخص طبيعي أو معنوي (ولا يقبل الطلبات المقدمة من جهة مجهولة الهوية).
ـ إمّا عفواً أو بناء لطلب أي من النواب في المسائل التي تتعلق بالمصلحة العامة.
(المادة 5/1 و3 )  وهنا نقترب من الامبدسمان السويدي ونبتعد عن الوسيط في فرنسا الذي لا يضع يده مباشرة على شكاوى المواطنين بل فقط بواسطة عضو من أعضاء البرلمان سواء في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، بمعنى أن المواطن في فرنسا يوجه الشكوى إلى عضو البرلمان فإذا وجد الأخير أن الشكوى جديرة بإحالتها إلى وسيط الجمهورية فيحيلها إليه، وعندها يضع الأخير يده على الشكوى ويعطيها مجراها القانوني.

ـ سلطات الوسيط في التحقيق
 يملك وسيط الجمهورية سلطة واسعة في إجراء التحقيقات بموضوع الشكاوى التي يتلقاها، وقد وسع قانون /1976/ في فرنسا نطاق هذه السلطة: فالوزراء ملزمون بالترخيص للموظفين التابعين لهم بتزويد وسيط الجمهورية بكل المعلومات التي يطلبها دون أن يحق لهم التذرع بسرية المعلومات الإدارية، إذ أن السرية لا تنطبق عليه.
وتشمل صلاحياته كل الحالات التي يظهر فيها أن جهازاً من أجهزة السلطة العامة لم يقم بوظيفته طبقاً للمصلحة العامة التي يفترض به أن يؤمنها، وبالطبع أن تلك المهمة تشمل بين ما تشمله الإنتهاكات التي يمكن أن تتعرض لها الحريات العامة، لأن تلك الانتهاكات من قبل أجهزة السلطة تشكل ابتعاداً منها عن مفهوم المصلحة العامة التي التزمت القيام بها.
وفي لبنان اعطى القانون 664/2005 الوسيط سلطات واسعة في التحقيقفيعود لهللوسيط تقدير جدية الطلب وقانونيته، وله أن يطلب من الادارة تقديم الايضاحات والتعليق على الطلب خلال مهلة يحددها وفقاً لكل حالة. كما له أن يطلب تزويده بالوثائق والمستندات التي يراها ضرورية، أو التي ترتأي الادارة المختصة توزيده بها(المادة 7/1)  .
وتبعاً لذلك ـ تقوم الادارة بموجب تسهيل مهمة وسيط الجمهورية واعطاء التوجيهات إلى موظفيها والعاملين فيها مهما كانت فئاتهم لتقديم جميع المعلومات والايضاحات والمستندات المطلوبة منه، وكذلك تسهيل مهمة الوسيط لجهة الاجتماع بهم أو الاستماع إليهم.
ـ كما انه لا يمكن التذرع بوجه الوسيط بسرية المعلومات والمستندات، باستثناء تلك التي يحظر القانون صراحة نشرها أو الاطلاع عليها أو تداولها، وتلك التي تتعلق بالأمن والدفاع الوطني(المادة 8/1 و2).
وسلطات الوسيط في لبنان مماثلة لسلطات الوسيط في فرنسا ولسلطات الامبدسمان السويدي

ـ المواقف والقرارات التي يمكن ان يتخذها الوسيط بنتيجة تحقيقاته
ولكن بنتيجة التحقيقات التي يجريها فإن سلطات الوسيط في التقرير تبقى في كل من لبنان وفرنسا  محدودة بالمقارنة مع الامبدسمان السويدي، فقد ذكرنا أنه يجوز للامبدسمان أن يتقدم بالدعوى ضد أي موظف في الإدارة، في حين ان وسيط الجمهورية لا يملك هذه السلطة بل ينحصر دوره بتوجيه توصية (Recommandation) إلى الإدارة المختصة دون أن يكون لتلك التوصية أية قوة ملزمة، وإنما يجوز نشر التوصية علنا، وبالفعل نصت المادة السابعة من القانون رقم 664/2005 على انه:
ـ يعمل الوسيط على معالجة كل من الطلبات الموجهة إليه عن طريق تقريب وجهات النظر بين صاحب الطلب والادارة، وعقد اللقاءات بينهما لطرح الحلول الملائمة، والتقدم من الادارة بالتوصيات التي يرى انها قد تؤدي إلى معالجة الطلب المطروح أمامه، توخياً لتطبيق القانون، عند غياب النص وفقاً لقواعد العدل والانصاف.
ـ يمكن لوسيط الجمهورية أن يتقدم من الادارة المعنية بتوصيات من شانها تحسين سير العمل فيها وتطويره، كما يمكنه أن يوصي بتعديل النصوص القانونية والتنظيمية في حال رأى ان تطبيق بعض أحكامها من شأنه أن يؤدي إلى حالات غير عادلة ومنصفة.
وتبعاً لذلك ـ تقوم الادارة المعنية بإبلاغ وسيط الجمهورية بالإجراءات أو التدابير التي اتخذتها على أثر التوصيات التي وجهها إليها، وذلك في مهلة أقصاها شهرين على تقديم تلك التوصيات.
ولكن اذا لم تتجاوب الادارة المعنية فلا يملك الوسيط اية سلط عليه،  انما يبقى له ان يقوم بإجرائين:
ـ الاول  هو تضمين تقريره الخاص أو السنوي موجز القضية وتوصياته بشأنها (المادة 9/1).
ـ الثاني اعلام الهيئات الرقابية المختصة بالامر(المادة 7/4).
وبالتالي فان وسيط الجمهورية لا يتمتع بأية سلطة ملزمة للإدارة باستثناء حالة وحيدة هي حالة امتناع الإدارة عن تنفيذ حكم قضائي، إذ في هذه الحالة يتمتع وسيط الجمهورية بسلطة إلزام الإدارة بأن تذعن للحكم، ولكن حتى في هذه الحالة فإن سلطته تبقى ضمن إطار من الضغط المعنوي لأنه إذا لم تمتثل الإدارة إلى أمره فهو لا يملك الوسائل الكفيلة بإلزام الإدارة بالتنفيذ. والوضع في لبنان مشابه هنا للوضع القائم في فرنسا، وفي هذا السياق  نصت المادة 6/3 من القانون رقم 664/2005 على ما يلي:
ـ لا يجوز لوسيط الجمهورية التدخل في مجريات دعوى عالقة أمام السلطة القضائية، ولا الطعن في صحة حكم قضائي؛ إلا أنه في حال عدم تنفيذ حكم قضائي مبرم في مهلة معقولة يستطيع الوسيط دعوة الادارة المعنية إلى الانصياع للحكم في مهلة معقولة يترك له أمر تحديدها، وإذا لم تقترن هذه الدعوة بأية نتيجة، يصبح الامتناع عن تنفيذ الحكم القضائي موضوع تقرير خاص يرفع وفقاً للأصول
تقديم المقترحات والتقرير السنوي
ويمكن لوسيط الجمهورية، وبنتيجة التحقيقات التي يقوم بها من خلال القضايا التي يضع يده عليها أصولاً، أن يتقدم إلى الحكومة بمقترحات من أجل إصلاح الوضع الإداري، فيلعب هنا دور الأداة لكشف الخلل الإداري وإصلاحه. وهو يقدم تقريراً سنوياً عن اعماله، وفي هذا السياق نصت المادة 9/2 على ما يلي:
ـ يضع الوسيط تقريراً سنوياً وتقارير خاصة حول مواضيع هامة ويرفع نسخة عنها إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، على أن ينشر تقارير الوسيط حكماً في الجريدة الرسمية.
ولكن، كما ذكرنا أعلاه، تبقى سلطات وسيط الجمهورية في لبنان وفي فرنسا محدودة بالمقارنة مع الامبدسمان السويدي؛ بالإضافة إلى ذلك فإن دور الوسيط يبقي أيضاً محدوداً في مجال حماية الحريات العامة
ولكن رغم صدور النص القانوني بشان وسيط الجمهورية في لبنان منذ العام 2005،  اي منذ حوالي 15 سنة إلاّ ان النص لم يطبق لغاية الآن. ونعتقد انه لا فائدة من تعيين وسيط الجمهورية في ظل سلطة تتقاسم الوظائف في الدولة وتوزعها على انصارها ولو كانوا من الفاسدين، ذلك ان التجربة دلت على ان من تولى بعض الوظائف في الاجهزة الرقابية كان من الفاسدين وقد تم توليت لحماية مثل اولئك الفاسدين
      (7)- النيابة العامة السوفياتيةLa Prokouratoura soviétique: كان يوجد في الاتحاد السوفياتي مؤسسة خاصة مهمتها الدفاع عن القانونية الاشتراكية«La socialiste» légalité وحسن تطبيقها من قبل الإدارة. وتلك المؤسسة مستقلة تمام الاستقلال عن وزارة العدل وهي بالتالي مؤسسة تختلف عن النيابة العامة المعروفة في لبنان وفرنسا وغيرها من الدول الليبرالية)1(.
ويرأس المؤسسة المدعي العام السوفياتي La procurature soviétique ويختاره مجلس السوفيات الأعلى لمدة خمس سنوات (المادة /167/ من الدستور السوفياتي)، الأمر الذي يعطيه هالة كبيرة ويمنحه سلطة قوية ويجعله مستقلاً تمام الاستقلال في القيام بوظيفته. ويعاونه مدعون عامون يختارهم هو لمدة خمس سنوات  من مختلف أرجاء الاتحاد السوفياتي، ومن مجموع المدعين العامين تتألف مؤسسة يترأسها المدعي العام السوفياتي وهي مستقلة تمام الاستقلال عن الإدارات  العامة وبالأخص عن وزارة العدل.
وتلك المؤسسة كانت تصنف دوماً مع الفئة ذاتها التي يصنف ضمنها الامبسدمان السويدي، باعتبارها - وعلى غراره - تهدف لفرض احترام ومراعاة القانونية من قبل الإدارات العامة، ولكن تقتصر مهمته على توجيه احتجاج (Protestation) أو توصية إلى الإدارة المختصة، وتمتد مهمته لتشمل حماية    الحريات العامة فالقانون يخوله وضع حد لأي توقيف كيفي. وإذا لم تتجاوب الإدارة مع توصية المدعي العام فيمكنه رفعها إلى السلطات الأعلى، ولكن تبقى     ســلطة القـرار للإدارة المختصة إذ لا يعود للمدعي العام أن يتخذ هو بنفسه أي قرار.
وتشمل صلاحية المدعي العام في الرقابة مختلف أوجه نشاط الإدارة، مع الإشادة إلى أن بعض قرارات الإدارة لا تصبح نافذة إلا بعد عرضها عليه.
ويقوم المدعي العام بوظيفته عفواً أو بناءً لشكوى أو عريضة مرفوعة من المواطنين.
وعندما يجد المدعي العام أن العمل الإداري هو غير قانوني، فيوجه    احتجاجاً إلى الموظف الذي اتخذه وإذا لم يتجاوب هذا الموظف معه فيمكنه رفع  القضية أمام رؤسائه وصولاً حتى السلطة العليا، كما يمكنه أن يرفع القضية أمام   القضاء المختص، ومـن شـأن اعتراض المدعي العام وقف تنفيذ القرار المعترض عليه.
وبالإضافة إلى وظيفته في الرقابة على نشاط الإدارة، فهو يقوم بوظيفة الرقابة على السجون، وبهذه الصفة يمكنه أن يأمر بإطلاق سراح كل شخص موقوف  بشكل كيفي وغير قانوني، وبذلك يظهر وكأنه حامي الحرية الفردية.
ولكن المواضيع الاقتصادية والمالية في الدولة تخرج عن حدود اختصاصه، إذ تعود تلك المهمة إلى لجنة خاصة تابعة لمجلس الوزراء في الاتحاد السوفياتي.

(8) - خلاصة الفقرة الأولى: إن المؤسسات التي أنشئت من قبل السلطة،  ولكن خارج إطار أعضاء وأجهزة السلطة المعروفة تقليدياً في الدولة، إنما كانت تهدف بالنهاية إلى خدمة النظام السائد في الدولة عن طريق وضع وسائل بمتناول المواطنين لفرض احترام ومراعاة النظام القانوني في الدولة ومن ضمنه الحريات   العامة التي كرسها وكفلها الدستور.
ولكن عندما تعجز كل الضمانات التي وفرها النظام القانوني السائد في   الدولة، سواء الضمانات الموجودة داخل السلطة أو خارجها، عن تأمين الحريات    العامة للمواطنين، وعندما يبلغ انتهاك الحريات العامة حد الجور، فعندها قد يلجأ المواطنون إلـى وسائل خارج إطار النظام القانوني السائد في الدولة، لمقاومة هذا الجور.
الفقرة الثانية
الضمانات لفرض احترام الشرعية
أولاً ـ مقاومة الجور:
(9) ـ عدم كفاية أو فعالية الضمانات القانونية تدفع إلى البحث عن وسائل خارج إطار القانونية لحماية الحريات العامة: إذا أصبحت الضمانات القانونية    المقررة، سواء الضمانات من داخل السلطة أو من خارجها، قاصرة عن حماية الحريات العامة فقد يلجأ الأفراد إلى البحث عن وسائل خارج إطار القانونية لحماية حرياتهم.
فعندما تتحول السلطة إلى سلطة جور وتحكم تنتهك معها الحريات العامة، وعندما تصبح الضمانات التي يوفرها القانون غير كافية أو غير فعالة لحماية    الحريات العامة، فقد يجد الأفراد أن لا مناص من اللجوء إلى وسائل غير قانونية - أي غير مكرسة في القانون الوضعي - لمقاومة جور السلطان.
إن قصور النظام القانوني عن توفير الحماية للحريات العامة يمكن أن ينجم  عن أسباب موضوعية تتعلق بالقواعد القانونية ذاتها التي تحكم الحريات العامة أو عن أسباب ذاتية تنبع من شخص من أوكل إليه أمر ممارسة السلطة وحماية      الحريات العامة.
الأسباب الموضوعية: تتوفر الأسباب الموضوعية عندما تكون القواعد  القانونية التي ترعى الحريات العامة غير كافية لتأدية تلك الوظيفة بمعنى أن القاعدة القانونية ذاتها تكون جائرة وغير كافية لحماية الحريات العامة حيال جور السلطان،  ومثل هذا الوضع عرفته الأنظمة الاستبدادية التي كان نظامها القانوني موضوعاً    أصلاً لمصلحة السلطان وعلى حساب المحكومين وحرياتهم، وهنا يجد الجور     مصدره موضوعياً في القاعدة القانونية التي ترعى علاقة الحاكم بالمحكوم.
الأسباب الذاتية: يمكن أحياناً أن تكون القواعد القانونية التي يوفرها النظام القانوني لحماية الحريات العامة كافية موضوعياً لصيانة تلك الحريات بمواجهة   أصحاب السلطان، إلا أن تطبيق أصحاب السلطان لتلك القواعد ينحرف بها، عن غايتها في تحقيق الصالح العام للمجموع، نحو غايات ومصالح شخصية للحاكم.    وتتوفر هذه الحالة عندما يقوم بإدارة الشأن العام أشخاص ينعدم عندهم الحس   بالمصلحة العامة ويكون همهم تأمين مصالحهم الشخصية على حساب المصلحة العامة، ومثل هذا الحاكم يفتقر إلى النزاهة والتجرد والموضوعية والمصداقية   المفروض توفرها في من يتولى الشأن العام. وعندها يكون خطر التعرض للحريات العامـة كبيـراً لأن القـانون يصبح تغطية لانتهاك الحريات بدلاً من أن يكون ضامناً لها.
ومثل هذا الوضع يمكن أن يشاهد في الأنظمة التي يقوم الحكم فيها على   أساس الديمقراطية واحترام الحريات العامة إلا أن أصحاب السلطان انحرفوا عن الغاية التي تولوا السلطة من أجلها واستخدموا القانون وسيلة لتأمين مصالحهم الخاصة على حساب حريات المواطنين وحقوقهم.
ومتى وصل الوضع في انتهاك الحريات العامة إلى حد الجور سواء لأسباب موضوعية تتعلق بالقاعدة القانونية ذاتها أو لأسباب ذاتية تتعلق بأشخاص الحاكمين، فعندها قد يلجأ الأفراد إلى وسائل غير قانونية في مقاومة جور الحاكم.
(10) - مبدأ مقاومة الجور: بعبارة مختصرة، يعني هذا المبدأ أنه بمواجهة سلطة جائرة تكون المقاومة مشروعة، فالظلم والطغيان من قبل صاحب السلطان، يحل المحكوم من واجب الطاعة المفروض عليه قانوناً؛ فمقاومة الجور يعتبر قمة الوسائل وآخرها التي قد يلجأ إليها المحكوم للدفاع عن حرياته بمواجهة الحاكم.
إن مقاومة الجور يمكن أن تتخذ أحد مظهرين:
المظهر الأول: هو المظهر التقليدي الذي يتسم باستخدام وسائل العنف، أي اللجوء إلى القوة بجميع مظاهرها وأشكالها بما فيها القوة المسلحة ضد أصحاب   السلطان ويمكن أن تصل إلى حد إباحة قتل صاحب السلطان ومعاونيه.
المظهر الثاني: هو المظهر الذي يدعو إلى اتخاذ موقف سلبي من الحاكم   بهدف مقاومة جوره ودون اللجوء إلى استخدام وسائل العنف. أي يدعو، بكل  بساطة، إلى عدم الامتثال لأوامر السلطة والقوانين التي تصدرها دون اللجوء إلى    القوة واستخدام وسائل العنف بمواجهة السلطة، وهذا المظهر يعرف بالمقاومة السلبية وهو الذي دعا إليه ونفذه المهاتما غاندي في الهند)1(.
وإذا كان المبدأ المتقدم يطبق في حال جور صاحب السلطان من أبناء الوطن، فإنه يطبق بأولى درجة وبزخم أكبر متى كان صاحب السلطان أجنبياً يحتل أرض الوطن وينتهك حرمة الأرض والشعب وليس حريات المواطنين فقط
ويهدف مبدأ مقاومة الجور ليس إلى فرض احترام النظام القانوني السائد في الدولة، بل يدعو بالنهاية إلى عدم شرعية ذلك النظام والسلطة المنبثقة منه ومن ثم   يدعو إلى قيام نظام جديد يوفر ضمانات للحريات العامة يفتقر إليها النظام القائم.  وبالطبع أن المبدأ المتقدم يجد له تبريرات أيديولوجية وسياسية معروفة.
11 ـ الأساس الأيديولوجي لمبدأ مقاومة الجور: اختلفت النظرة إلى هذا المبدأ ومن ثم إلى الأساس الذي يقوم عليه تبعاً للنظريات المعروفة في الأساس  الذي تقوم عليه السلطة في المجتمع.
ـ فأنصار نظرية المصدر الإلهي للسلطة يعتبرون أن سلطة الحاكم مستمدة من الإرادة الإلهية، ومن ثم يعتبر الحاكم نفسه ممثلاً لإرادة الآلهة ومن الطبيعي أن ينكر أصحاب هذه النظرية حق الإفراد بمقاومة جور الحاكم لأنهم يعتبرون أن ما  يـقوم به الحـاكـم هو تعبير عن الإرادة الإلهية وهو يمثل الخير المطلق والحكمة بعينها.
وهذه النظرية يصح انتقادها بسهولة لأنه إذا كانت الإرادة الإلهية هي عادلة بذاتها ولا يمكن أن تعرف الجور، فإن أصحاب السلطان هم من البشر غير   المعصومين عن الخطأ.
ـ أما أنصار نظرية القوة كمصدر للسلطة فيعتبرون أن مصدر السلطة ليس الإرادة الإلهية بل إرادة السلطة ذاتها التي بيدها القوة وتملك سلطان الحل والربط. وقد اعتنق هذا المذهب بعض فلاسفة اليونان الأقدمين ومن بينهم ترازيماك (Thrazymaque) الذي عبر عن نظريته بالقول: «إن العدالة هي ما يفيد الأقوى».
وقد تبنى بعض الفلاسفة في العصر الحديث تلك النظرية وربطوا مصدر السلطة بالقوة التي تمثِّلها الدولة سواء على الصعيد الداخلي أو على الصعيد الخارجي ومن بين هؤلاء الفيلسوف الألماني هيجل (1770/1831) الذي كان  يعتبر أن الفرد لا ينمو ولا يتكامل إلا من خلال الدولة والقوة التي تمثلها، فهي التي ترفع الأفراد إلى حالة المجتمع المنظم.
ولكن يمكن نقد هذه النظرية بسهولة إذ أن الفرق واضح بين الدولة وما تملكه من قوة وبين النظام السياسي والسلطة التي تقوم فيها. فمتى حادت السلطة في استخدام القوة عن غرضها في تأمين الصالح العام وتأمين حريات المواطنين فإن مخاطر القوة على الحريات تصبح غير محدودة.
وتبعاً لذلك ظهرت نظريات أخرى تؤيد مبدأ مقاومة الجور وتلك النظريات معروفة منذ القدم في القاموس السياسي. فعند الإغريق كانت صرخة أنتيجون هي   البذرة الأولى في هذا الاتجاه، وإن كانت لم تصل إلى حد الدعوة إلى مقاومة الجور بل اقتصرت على طرح مشكلة جور القاعدة القانونية بالمقارنة مع القانون   الإلهي والطبيعي.
وقد ظهرت النظرية على الصعيد السياسي في كتابات بعض المفكرين أمثال مرسيل دي بادوMarsil de Padou في كتابه (Defensor pacis 1324) الذي اعتبر أن الشعب هو مصدر السيادة ومن ثم يبقى له دوماً حق الرقابة على ممارسة السلطة   من قبل الحكام الذين ولاّهم عليه. وأمثال أراسم Erasme الذي قال أن الحكام      وجدوا من أجل الشعوب ولم توجد الشعوب من أجل الحكام.
من هنا برزت النظرية القائلة بأن الحاكم الذي أوجده الشعب يكون مرتبطاً  بهذا الشعب بعقد حقيقي فرض على الشعب إطاعة الحاكم بقدر ما يحترم الحاكم  الأهداف التي فرض ذلك العقد على الحاكم تحقيقها وخدمتها ومن ثم يكون من حق الشعب مقاومة جور وطغيان الحاكم الذي يخالف شروط العقد أي يخالف القوانين الإلهية التي يستمد منها سلطته أو القوانين الأساسية للدولة. ومن الفقهاء الذين أخذوا بتلك النظرية:
ـ تيودور دي باز Théodore de Béze في كتابه الصادر عام /1575/ بعنوان حقوق الحكام على رعاياهم (du droit des magistrats sur leur sujets).
ـ هيبر لانكرا Hubert Langret في كتابه الصادر عام /1581/ بعنوان الانتقام من الطغيان Vindiciai contra tyrrannos.
وكذلك في كلمة ألقاها فيليب بوت Philipe pot عام /1484/ في إحدى جلسات «جمعية الطبقات العامة» في فرنسا قبل الثورة، عندما قال:
«إن الشعب السيد هو الذي أوجد الملوك.. لكي يفيدوا الشعب وليس من أجـل أن يثـروا علـى حسـابه... وإذا ما فعل المـلوك عـكس ما وجـدوا من أجله فعندها يتحوّلون من ملوك إلى طغاة)1(.
بمعنى أن الشعب وحده هو مصدر السلطان وإذا انحرف السلطان عن خدمة الشعب وتحول إلى سلطة جور وتحكم فعندها يجوز للشعب مقاومة الجور واستعادة حقه بالسلطة باعتباره هو مصدرها.
وظهرت النظرية أيضاً خلال الحروب الدينية في أوروبا فتبناها كل من الكاثوليك والبروتستانت بالقول إن مقاومة جور السلطان يعتبر مشروعاً لأن الشعب وحده هو مصدر كل سلطة.
ومع ظهور نظرية العقد الاجتماعي تبعاً لمفهوم جان لوك، وليس لمفهوم روسو، ارتقى المبدأ إلى مرتبة النظرية السياسية باعتبار أن جنوح السلطة نحو الجور يبرر مقاومتها وإعادتها إلى مصدرها الأصلي المتمثل بالشعب.
وقد لاقت النظرية صدى في بعض الشرائع، وكان أولها شرعة الاستقلال التي صدرت عام /1776/ في أمريكا والتي أعلنت استقلال الولايات الثلاث عشرة وأن كل ولاية تشكل دولة مستقلة عن بريطانيا، وقد تضمن ذلك الإعلان الإشارة إلى حق الدول في مقاومة الجور.
كذلك إن إعلان حقوق الإنسان الذي صدر في فرنسا عام /1789/، عقب الثورة، اعتبر أن الحق بمقاومة الجور هو أحد الحقوق الأساسية للإنسان، إذ نصت المادة /2/ منه على ما يلي:
إن الهدف لكل تجمع سياسي هو المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية الدائمة وغير القابلة للسقوط وتلك الحقوق هي الحرية، الملكية، الأمان La surété، ومقاومة الجور)2(.
(12) - تقييم مبدأ مقاومة الجور: بالطبع من الصعب وضع تعريف أو معيار
 
واضح للجور. لا شك أن الوضع الجائر يتميز عن الوضع غير العادل (injuste)    فهذا الوضع الأخير يمكن أن يوجد في عمل من أعمال السلطة يكون منطبقاً على  القانون إلا أن القاعدة القانونية ذاتها تكون غير عادلة وتبعاً لذلك لا يمكن أن   ينسب أي جور للسلطان.
وبكل الأحوال إن تحديد الجور يداخله دوماً عنصر تقدير ذاتي، فالوضع     ذاته الذي يبدو جائراً بالنسبة لمجموعة معينة قد يبدو غير ذلك بالنسبة إلى مجموعة أخرى أو بالنسبة للأكثرية. مثلاً إذا أخذنا خدمة العلم فقد تبدو جائرة بالنسبة   للمعترضين عليها ولكنها ليست كذلك من المنظار الوطني، كذلك أن الشعور  بجور السلطان يمكن أن يقتصر على مجموعة معينة بنتيجة انتمائها العقائدي      الخاص بها...
وتبعاً لكل المعطيات المتقدمة نجد أن إعلان مبدأ مقاومة الجور في بعض الشرع - إعلان الحقوق في فرنسا عام 1789 - لم يتكرس في مقدمة الدساتير ولا في القوانين الوضعية التي تصدر بالاستناد إلى الدستور، وهذا على عكس باقي الحقوق والحريات التي كرستها الشرع والإعلانات المتعلقة بالحقوق، ولعل السبب في ذلك أنه لا يمكن أن نتصور أن نظاماً سياسياً معيناً يمكنه أن ينظم طريقة دفنه!
وتتوقف شرعية مقاومة الجور بالنتيجة، وبالأخص استعمال وسائل العنف والقوة ضد النظام السياسي القائم، على مدى قدرة المقاومة على تقويض النظام  القائم وإقامة نظام بديل مكانه، فإذا فشل أصحابها كان عملهم جرماً يعاقب عليه     النظام القانوني السائد ومن ثم كان مصيرهم الإعدام أو السجن، وبالعكس إذا نجح   هؤلاء في حركتهم ينتهي بهم الأمر إلى تسلم زمام السلطة ومحاكمة المسؤولين في  النظام السابق من خلال شرعية جديدة حلت محل الشرعية القديمة، وهذا ما        يدعونا إلى التفريق بين الشرعية والقانونية.
ثانياً - الشرعية légitimité والقانونية légalité:
(13) - القانونية تنطبق على الشرعية الشكلية السائدة في الدولة: يتولى السلطة في الدولة عادة أعضاء وأجهزة وفقاً للكيفية التي يحددها النظام السياسي والقانوني السائد في الدولة. فالدستور يحدد كيفية تولية السلطات في الدولة ويفرض على تلك السلطات التقيد بالنظام القانوني السائد عند ممارستها لوظائفها.
وانطلاقاً من هذا الوضع يضحي عمل أعضاء السلطة وأجهزتها شرعياً  وقانونياً فـي نفس الـوقت، ويمنع علـى المحكومين محاولة التفلت من النظام القانوني السائد أو تغييره. فهنا تندغم الشرعية مع القانونية، على الأقل من الناحية الشكلية، لأن توليه الحكام تمت وفقاً للنظام الأساســي فـي الدولة المتمثل، في الدول العصرية، بالدستور.
ومنذ اللحظة التي يصبح فيها الدستور مرعياً ومسلماً به، لا يعود من حق الأفراد السعي لتولي السلطة عن طريق القوة، بل إن ذلك لا يمكن أن يحصل بصورة شرعية إلا وفقاً للأصول المحددة في الدستور، ومن ثم فإن تغيير شخص الحاكم لا  يمكن أن يحصل إلا وفقاً لأحكام الدستور، فالنظام السائد في الدولة هو الذي  يضفي على أعمال الحاكم صفة الشرعية وبالتالي فإن تلك الصفة لا تتوقف على     إرادة الحاكم، فالحاكم يستمد سلطته مباشرة من القانون السائد في الدولة.
هنا نجد تطابقاً كلياً بين الشرعية والقانونية بمعنى أن الشرعية القائمة في  الدولة هي التي تنعكس على أعمال السلطان فيها فتأتي تلك الأعمال متوافقة مع       تلك الشرعية وتبعاً لذلك متوافقة مع النظام القانوني السائد في الدولة. ولكن عندما   تزول السلطة القائمة وفقاً للنظام السياسي والقانوني السائد في الدولة سواء بنتيجة ظروف خارجية معينة كأن يتم احتلال الدولة من قبل دولة أجنبية وتحل  مؤسساتها الدستورية أو يعتقل أو يقتل أشخاص الحاكمين، أو سواء بنتيجة ثورة داخلية تقوض أركان النظام السياسي والقانوني السائد داخل الدولة فكيف تتم المطابقة بين الشرعية والقانونية؟
(14) - الشرعية الواقعية والقانونية: بغياب السلطة الشرعية التي قامت وفقاً للنظام السياسي والقانوني السائد في الدولة، تتولى السلطة أحياناً مجالس أو هيئات   ثورية تنبثق من الأمر الواقع، وهي تسمى في أغلب الأحيان بحكومة الأمر الواقع Gouvernément de fait ou de facto).
وتقوم تلك السلطة بتسيير أمور الدولة وتتخذ قرارات لا تكون متطابقة مع النظام الذي كان سائداً في الدولة، وبالتالي تعتبر تلك الأعمال غير قانونية من وجهة نظر ذلك النظام: ولكن متى استتب الوضع لسلطة الأمر الواقع فإنها تكون  قد ولدت شرعية جديدة تكون هي المنطلق لتقدير القانونية.
وتختلف النظرة إلى شرعية تلك السلطة من الناحيتين الداخلية والخارجية.
من الناحية الداخلية تكتسب تلك السلطة صفة الشرعية من خلال قدرتها على بسط سلطتها داخل الدولة وخضوع أكثرية المواطنين لها، فمنذ اللحظة التي تستطيع تلك السلطة فرض الأمن والنظام داخل الدولة وتنفيذ القرارات التي تتخذها وتأمين تسير المرافق العامة الأساسية، تكتسب صفة حكومة الأمر الواقع وتكتسب قراراتها صفة الشرعية)1(.
أما من الناحية الخارجية فلا تكتسب تلك السلطة صفة الشرعية إلا بعد الاعتراف Reconnaissance بها من قبل الدول الأخرى)2(.
وعندما يستتب الأمر كلياً للسلطة الجديدة على الصعيد الداخلي ويتم    الاعتراف بها من قبل الدول الأخرى تولد شرعية جديدة ويوضع دستور جديد ينبثق    منه نظام قانوني يتوافق مع المبادىء التي تضمنها الدستور الجديد. وعندها تستمد النصوص القانونية شرعيتها من الدستور الجديد. وإذا أبقت السلطة الجديدة على   القوانين السابقة فتكتسب تلك القوانين التي وضعت في ظل الدستور السابق،  شرعية مستمدة من انطباقها على الدستور الجديد.