Professor Dr Helmi Al Hajjar, Attorney at law
- Litigation, legal consultation and arbitration.
- Legal advice and services in the field of real estate, financial, commercial civil and administrative contracts and in the preparation of case memorandums for submission to the court of cassation under both Lebanese and UAE laws.
- Over 25 years of experience as a practicing lawyer through his own firm in Beirut, Lebanon in addition to his experience as a judge in Lebanon for 17 years and a judge in the commercial chamber in the court of cassation in Abu Dhabi.
- Professor at the higher institute of Legal studies at the faculty of law and political and administrative sciences at the Lebanese University in Beirut.
- Registered arbitrator at the Abu Dhabi Commercial Conciliation and Arbitration Center
Address: Hamra Street, Rasamny Center, 3rd  floor, Beirut, Lebanon.
Mobile: + 961 3 788848, Landline: +961 1 788889
Email: hajjar.legal@gmail.com, emihajja43@gmail.com         

Back

محاماة واستشارات قانونية

المؤلفات

الوسيط في قانون الاجراءات المدنية والاثبات في دولة الامارات العربية المتحدة الجزء الثاني (الخصومة واجراءات التقاضي) (الاجراءات المستعجلة) (القرارات الرجائية والاوامر على العرائض) (طرق الطعن)

الدكتور حلمي محمد الحجار
01/01/2016


تمهيد
387 - مصطلح الخصومة (المحاكمة) ـ وضعها بين القانون العام والقانون الخاص: ان مصطلح خصومة هو تعريب للعبارة الفرنسية (Instance)؛ في حين يستعمل بعض الدول العربية، ومنها لبنان، مصطلح المحاكمة للتعبير عن ذات المعنى. وقد استعمل القانون الإماراتي مصطلح المحاكمة في قانون الإجراءات الجزائية، كما استعمله في المادة /78/ من قانون الإجراءات المدنية التي تكلمت عن انعقاد الجلسات فنصت في مستهلها على انه في الموعد المعين «للمحاكمة» يُنادى على الخصوم (راجع البند 563)، إلاّ ان القانون ذاته استعمل في أكثر المواضع مصطلح الخصومة وأحياناً تعبير التقاضي (المواد 57/ 86/ 106 من القانون) للتعبير عن ذات المصطلح، ومن ثم آثرنا استعمال مصطلح الخصومة أمام المحكمة انسجاماً مع المصطلح المستعمل في قانون الإجراءات المدنية. كما اننا سنستعمل أحيانا، عند تفريع المواضيع المتعلقة بالخصومة أو المحاكمة، مصطلح التقاضي عندما يكون هذا المصطلح أكثر تعبيراً عن بعض المواضيع المتعلقة بالخصومة أمام المحكمة. ومن ثم فان المصطلحات الثلاثة، وأينما وردت في الكتاب، يبقى لها نفس المدلول.
     ونبدأ بمصطلح التقاضي لنقول انه يهدف بالنهاية لحل نزاع عالق بين الأفراد، بما يُشعر انه يُحَقّق تأمين المصالح الخاصة للأفراد؛ إلا أن حل هذا النزاع يتم بواسطة الدولة عبر السلطة القضائية، وحل النزاع من قبل السلطة القضائية يُحَقّق أيضاً تأمين مصلحة عامة في المجتمع تتمثل بالمحافظة على الاستقرار فيه.
     من أجل ذلك شبه أحد الفقهاء التقاضي أمام المحاكم، كمؤسسة قانونية، بملتقى طريقين: طريق القانون الخاص وطريق القانون العام، لأنها إذا كانت بالنسبة للأفراد أداة لصيانة حقوقهم وتثبيتها، فإنها بالنسبة للدولة أداة لتأمين تطبيق القانون( ).
وتبعاً لعلاقة المحاكمة بكل من القانون العام والقانون الخاص واختلاف النظرة إلى الغاية منها، مرت المحاكمة بنظامين مختلفين (أولاً)، كما تطورت المبادىء التي تقوم عليها (ثانياً).
أولاً تطور نظام المحاكمة
388 - النظامان الرئيسيان في المحاكمة: نظراً لعلاقة المحاكمة بكل من القانون العام والقانون الخاص فقد مرت بنظامين مختلفين تبعاً لترجيح الطابع الخاص أو الطابع العام عليها.
والنظام الأول الذي كان الأسبق في الظهور هو النظام الاتهامي، الذي تراجع مع الوقت لمصلحة النظام الاستقصائي.
389 - النظام الاتهامي (La procédure de type accusatoire): كان النظام الاتهامي هو الأسبق في الظهور، نظراً لكونه يتصف بالشعبية والديموقراطية، فهو يعطي للمدعى عليه ضمانات حقيقية عن طريق علانية ووجاهية وشفاهية المحاكمة تأميناً لحقوق الدفاع، وكان الإثبات المتبع في ظل هذا النظام هو الإثبات المقيّد. فالمحاكمة كانت عبارة عن مبارزة بين المتداعين تتم أمام حكم حيادي حددت سلطاته بشكل ضيق، وكان دوره بالتالي سلبياً.
390 - النظام الاستقصائي (La procédure de type inquisitoire): تأخر ظهور النظام الاستقصائي في التاريخ، إذ أنه لم يظهر إلا في المرحلة التي أصبحت فيها الدولة تتمتع بسلطة قوية، حيث أصبح القضاة ومساعدوهم يتمتعون بثقة المتداعين. وأصبحت المحاكمة في ظل هذا النظام تتصف بالصفة الكتابية وغير الوجاهية، وأصبح بإمكان القاضي إجراء التحقيقيات وجمع الأدلة، كما أن المحاكمة أصبحت تتصف بالسرية، ولكن بالمقابل لم يعد القاضي مقيداً بنظام للاثبات، إذ أن النظام الاستقصائي يؤدي منطقياً على صعيد الإثبات إلى الاكتفاء بالاقتناع الشخصي للقاضي( ).
وإذا كان النظام الاستقصائي يؤمن بصورة أفضل مصالح الدولة ومقتضيات النظام العام، إلاّ انه يبقى قاصراً عن تأمين حقوق الدفاع( ). من هنا إن النظام الأمثل هو الذي يؤمن التوفيق بين الاعتبارات العامة والاعتبارات الخاصة، وهذه الاعتبارات هي التي طبعت المحاكمة في القوانين الحديثة ببعض المبادىء العامة التي توفق بين الاعتبارات المتقدمة( ).
ثانياً ـــ المبادىء العامة التي يخضع لها التقاضي أمام المحاكم
391 - المبادىء العامة تنطلق من دور القاضي والخصوم في التقاضي ومن الطابع الشكلي لها: تتفق قوانين الإجراءات المدنية في بعض المبادىء العامة التي تقوم عليها مع قوانين الإجراءات الأخرى، كالإجراءات الجزائية أو الإدارية في الدول التي يوجد فيها قضاء إداري الى جانب القضاء العادي (راجع البند 264) أو حتى الإجراءات التأديبية أو المسلكية؛ فحق الدفاع مثلاً يجب أن يُؤَمّن في أية محكمة سواء أكانت مدنية أو جزائية أو إدارية، إلا أن كل نوع من أنواع المحاكمات يعطي زخماً معيناً لبعض المبادىء باختلاف المصلحة التي تهدف المحاكمة إلى تأمينها.
والخصومة، في نطاق قانون الإجراءات المدنية، لا تعني فقط الخصوم بل أيضاً القاضي، مع الملاحظة ان هذا القانون يتصف عموماً بالطابع الشكلي (راجع البند 8)، وهذه المميزات تنعكس على المبادىء التي اليها التقاضي أمام المحاكم في نطاق هذا القانون.
إن علاقة كل من القاضي والمتداعين بالخصومة تخضع لثلاثة مبادىء عامة: الأول يتعلق بدور كل من القاضي والخصوم فيها، الثاني يتعلق بحق الدفاع، الثالث يتعلق بثبات عناصر النزاع. كما أن الطابع الشكلي لقوانين الإجراءات المدنية يجعل التقاضي أمام المحاكم يخضع لمبدأين عامين: الأول يتعلق بالشفاهية والكتابية، والثاني بالعلنية.
392 - دور كل من القاضي والمتداعين في الخصومة - مبدأ سلطان المتداعين على الخصومة: يعني هذا المبدأ أن ربط علاقة الخصومة ووضع يد القاضي على النزاع يتوقف على إرادة الخصوم وحدهم، بمعنى أنه لا يحق للقاضي أن يضع يده من تلقاء نفسه على النزاع، فالأفراد هم أسياد حقوقهم ومن ثم أسياد الدعوى التي منحت لهم لحماية هذه الحقوق (راجع البند 16). كذلك إن الخصوم هم الذين يحددون إطار الدعوى وسببها وموضوعها ووسائل اثباتها، كما أن متابعة الخصومة أو التنازل عنها والرضوخ للحكم الذي يصدر بنتيجتها تبقى بيد الخصوم إلا في الحالات التي تمس النظام العام( ).
 وقد كرس قانون الإجراءات المدنية الإماراتي هذا المبدأ بنصوص صريحة أوردها في متنه، فالمادة 42 منه كما تعدلت بالقانون الاتحادي رقم 10/2014 نصت على ان ترفع الدعوى الى المحكمة بناء على طلب المدعي، وذلك بإيداع صحيفة دعواه لدى مكتب إدارة الدعوى أو بقيدها الكترونياً. كما ان المادة 106 منه نصت على سقوط الخصومة بفعل عدم سير المدعي بدعواه أو امتناعه عن متابعتها بطلب كل ذي مصلحة متى انقضت ستة أشهر من آخر إجراء صحيح من إجراءات التقاضي.
كذلك نصت المادة 110 على انه في جميع الأحوال تنقضي الخصومة بمضي سنتين على آخر إجراء صحيح فيها ويترتب على انقضائها ذات الآثار التي تترتب على سقوطها. كما أجازت المادة 111 للمدعي ترك الخصومة بإعلان لخصمه أو ببيان صريح في مذكرة موقع عليها منه أو ممن يمثله قانوناً مع اطلاع خصمه عليها أو بإبدائه شفوياً في الجلسة وإثباته في المحضر. وسنعود لبحث كل هذه القواعد تفصيلا في الموضع المخصص لبحثها( )، كما انه في حقل الإثبات رأينا ان المبدأ هو ان عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي (راجع البند 105).
وينبثق عن المبدأ المتقدم مبدأ آخر هو مبدأ حياد القاضي( )، وهذا المبدأ يمنع على القاضي توسيع إطار الخصومة، فالمادة 173 من قانون الإجراءات المدنية منعت على القاضي بان يحكم بما لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه، كما منعت عليه الاستناد في حكمه الى معلوماته الشخصية. ولكن حياد القاضي لا يلغي كل دور له في الخصوم ذلك انه هو الذي يسهر على حسن سير الخصومة وإدارة الجلسات، وهو الذي يرخص بتقديم وسائل الإثبات ويقدر قيمتها الثبوتية أحياناً. كما أن الماة 74 من قانون الإجراءات المدنية أعطت المحكمة الحق بأن تعرض على الخصوم الصلح، ولها من أجل ذلك أن تأمر بحضور الخصوم شخصياً، فإذا تم الصلح أثبت في محضر الجلسة أو أُلحق الإتفاق بالمحضر. هذا بالإضافة الى قواعد أخرى يلعب فيه القاضي دوراً في المحاكمة كما سنرى عند البحث في سير الخصومة أمام المحكمة (راجع البند 548).
393 - حق الدفاع - مبدأ وجاهية الخصومة (Le principe du contradictoire): وهذا المبدأ هو من المبادىء الجوهرية التي تقوم عليها المحاكمة وهو يؤمن لكل من الخصوم ما يلي:
¬ حرية الدفاع عن حقوقه ومصالحه في نفس الوقت الذي يتمكن فيه من مهاجمة خصمه.
¬ إمكانية الاطلاع ومناقشة المستندات المبرزة في الملف والشهادات المدلى بها، وحضور التحقيقات والكشوفات التي تجرى من قبل المحكمة أو الخبراء.
ويهدف هذا المبدأ في الحقيقة إلى حماية حقوق الدفاع، إذ لا يمكن الحكم على أحد إلا بعد تأمين حقوق الدفاع له ليتمكن من مناقشة أقوال خصمه والإدلاء بما عنده من وسائل دفاع ودفوع. ومن ثم فإن كل إجراءات التقاضي ومناقشة المستندات المبرزة في الملف يجب أن تتم مبدئياً بمواجهة الخصوم. من أجل ذلك يجب دوماً إعلان كل خصم نسخة عن الأوراق التي يقدمها خصمه إلى المحكمة (راجع البند 461 وما يليه) كما يجب دوماً ترك مهلة كافية لكل خصم يتمكّن خلالها من تحضير دفاعه وتقديمه إلى المحكمة. وقد تضمن قانون الإجراءات المدنية الإماراتي نصوصاً عديدة تطبيقاً لمبدأ الوجاهية وتأمين حق الدفاع.
وبالفعل نصت المادة 45 من القانون كما تعدلت بالقانون الاتحادي رقم 10/2014 انه على المدعي عند تقديم صحيفة دعواه أن يقدم صوراً منها بقدر عدد المدعى عليهم، وصورة لمكتب إدارة الدعوى تحفظ بملف خاص، وعليه أن يقدم مع الصحيفة صوراً لجميع المستندات المؤيدة لدعواه، وكذلك أية تقارير خبرة معدة من خبراء مقيدين إن وجدت، ونفس الواجب ملقى على المدعى عليه. وذلك من أجل إعلان كل خصم بمستندات خصمه وفقاً للإجراءات التي حددتها المادة 46 من ذات القانون (راجع البند 557).
كما يجب ابلاغ الخصوم بمواعيد جلسات المحاكمة حتى إذا تبين للمحكمة عند غياب المدعى عليه بطلان إعلانه بالصحيفة، وجب عليها تأجيل الدعوى الى جلسة ثانية ويعاد إعلانه لها إعلاناً صحيحاً. كما إذا تبين لها عند غياب المدعي عدم علمه بالجلسة قانوناً وجب عليها تأجيل الدعوى الى جلسة تالية يعلن بها إعلاناً صحيحاً (المادة 54 من القانون كما تعدلت القانون الاتحادي رقم 10/2014).
وبالطبع هناك قواعد كثيرة في قانون الإجراءات المدنية توجب على المحكمة تأمين حق الدفاع للخصوم بشأن أي مستند يمكن ان يتخذ أساساً لحكم بالدعوى، وسنشير الى كل قاعدة من هذه القواعد في الموضع المخصص لها كالقاعدة التي توجب دعوة الخصوم لحضور المعاينات وجلسات الخبرة، أو إبلاغهم نسخة عن تقرير الخبير. ولكن قد يكون من المفيد هنا عرض المناقشات التي حصلت في فرنسا بشأن مبدأ الوجاهية قبل ان يستقر بصيغته الحالية في القانون الفرنسي لعام 1975.
لقد تكرس مبدأ الوجاهية في فرنسا بنص عام ورد في الفقرة الأولى من المادة /16/ من قانون 1975، وقد ورد النص الأصلي لهذه الفقرة على الشكل التالي: «على القاضي، بكل الأحوال، أن يفرض التقيد بمبدأ الوجاهية». وقد ثار جدل في فرنسا حول مدى هذا النص وما إذا كان يفرض على القاضي نفسه التقيد بمبدأ الوجاهية أم يقتصر فقط على فرض احترام مبدأ الوجاهية على الخصوم وحدهم بحيث أن القاضي نفسه يكون غير ملزم بالتقيد بهذا المبدأ. ولهذا الجدل أهمية قصوى على صعيد دور القاضي حيال العناصر الواقعية والقانونية في الخصومة. فإذا كان المبدأ يقتصر على الخصوم وحدهم دون القاضي فمعنى ذلك أنه يتوجب على القاضي أن يتيح لكل خصم مناقشة مستندات خصمه، أما إذا أثار القاضي قاعدة قانونية وطبقها عفواً أو إذا استند في حكمه إلى بعض العناصر الواقعية الواردة في الأوراق عرضاً دون أن يتذرع بها الخصوم خصيصاً لاسناد طلباتهم ومدافعاتهم (راجع البند 450) فيعفى من التقيد بمبدأ الوجاهية.
وبالعكس إذا كان المبدأ يسري على القاضي نفسه كما يسري على الخصوم فمعنى ذلك أنه يتوجب على القاضي حتى في هذه الحالة الأخيرة أن يتقيد هو نفسه بالمبدأ.
وتبعاً لذلك عاد المشرّع الفرنسي وعدّل نص المادة 16/1 بشكل فرض فيه على القاضي نفسه التقيّد بمدأ الوجاهية فأصبح نصها على الشكل التالي: «يجب على القاضي في أي حال أن يفرض التقيد وأن يتقيد هو نفسه بمبدأ الوجاهية»( ).
وقد تنبه واضعو القانون اللبناني لعام 1983 للأمر فأخذوا الفقرة الأولى من المادة /16/ الفرنسية بصيغتها الجديدة بعد التعديل أي بما يفرض على القاضي نفسه التقيد بمبدأ الوجاهية وبالفعل نصت الفقرة الأولى من المادة /373/ من القانون اللبناني على انه «يجب على القاضي في أي حال، أن يتقيد وأن يفرض التقيد بمبدأ الوجاهية»، وتبعاً لذلك تضمن القانون اللبناني ذات النصوص الواردة في القانون الفرنسي تطبيقاً لتأمين حق الدفاع واحترام مبدأ الوجاهية فأضافت الفقرة الثانية من المادة/373/ أ.م.م. على انه «لا يجوز للقاضي أن يعتمد في حكمه أسباباً أو إيضاحات أدلى بها أحد الخصوم أو مستندات أبرزها إلا إذا أتاح للخصوم الآخرين مناقشتها. ولا يصح إسناد حكمه إلى أسباب قانونية أثارها من تلقاء نفسه دون أن يدعو الخصوم مقدماً إلى تقديم ملاحظاتهم بشأنها»( ). ومن ثم «لا يصح على الاطلاق إصدار الحكم ضد خصم لم يجر سماعه أو يمكن من إبداء دفاعه».( ) وعندما يجيز القانون أو تقتضي الضرورة إقرار تدبير بدون علم الخصم، يكون لهذا الأخير حق الطعن بالقرار الضار به بالطريق المناسب»( ).
إن أهمية تأمين حق الدفاع واحترام مبدأ الوجاهية والنصوص التي كرسته ستظهر عند بحث دور القاضي والخصوم حيال العناصر الواقعية والقانونية للنزاع (راجع البند 447 وما يليه).
394 - مبدأ ثبات عناصر النزاع (L'immutabilité du litige): يعني هذا المبدأ أنه لا يمكن، بعد أن تبدأ الخصومة، تغيير عناصرها وإطارها. لا يمكن تغيير الخصوم أو موضوع الدعوى وسببها( )، بمعنى أن علاقة الخصومة التي نشأت بنتيجة تقديم صحيفة الدعوى وتبادل المذكرات يجب أن تبقى كما هي، سواء لجهة الخصوم أو صفاتهم أو موضوع الدعوى أو سببها، وذلك منذ تقديم المطالبة القضائية إلى حين صدور الحكم النهائي.
إلا أن هذا المبدأ يحتمل بعض الاستثناءات، وأهمها الدعاوى المتقابلة وسائر الطلبات العارضة التي يمكن ان تقدم في الدعوى، وبالفعل ان قانون الإجراءات المدنية الإماراتي أجاز للخصوم التقدم بمثل تلك الطلبات، فنصت المادة 97 منه على انه يجوز للمدعي أو المدعى عليه أن يقدم من الطلبات العارضة ما يكون مرتبطاً بالطلب الأصلي ارتباطاً يجعل من حسن سير العدالة نظرهما معاً. كما نصت المادة 94 من القانون كما تعدلت بالقانون رقم 10/2014على انه للخصم أن يدخل في الدعوى من كان يصح اختصاصه فيها عند رفعها، ويجوز للمدعى عليه إذا ادعى أن له حقاً في الرجوع بالحق المدعي به على شخص ليس طرفاً في الدعوى، أن يقدم طلباً مكتوباً الى مكتب إدارة الدعوى أو الى المحكمة يبين فيه ماهية الادعاء وأسبابه ويطلب إدخال ذلك الشخص طرفاً في الدعوى، ويكون ذلك بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى، كما يجوز دخوله في الجلسة إذا حضر المطلوب إدخاله ووافق أمام المحكمة على هذا الاخير.
كذلك أجازت المادة 95 من القانون لكل ذي مصلحة أن يتدخل في الدعوى منضماً لأحد الخصوم أو طالباً الحكم لنفسه بطلب مرتبط بالدعوى، حتى ان القانون أجاز للمحكمة من تلقاء نفسها أن تأمر بإدخال من ترى إدخاله لمصلحة العدالة أو لإظهار الحقيقة وتحدد المحكمة الجلسة التي يعلن إليها، كما تعين مركزه في الخصومة وتأمر بإعلانه لتلك الجلسة، وذلك بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى. كما أجاز لها أن تكلف قلم الكتاب بإعلان ملخص وافٍ من طلبات الخصوم في الدعوى إلى أي شخص ترى لمصلحة العدالة أو لإظهار الحقيقة أن يكون على علم بها.(المادة 96 من القانون).
ونصوص قانون الإجراءات المدنية الإماراتي بهذا الشأن تتوافق إجمالاً مع الحلول المعتمدة في القانون المقارن وسنعرض للنصوص في القانون المقارن عند بحث موضوع الدعوى والخصوم فيها (راجع البندين 400 و423).
395 - إن المحاكمة المدنية تتسم بالطابع الشفاهي والكتابي معاً: تتسم المحاكمات الجزائية إجمالاً بالطابع الشفاهي، ذلك انها تقوم على استجواب المتهم وسماع الشهود شفاهة وعرض الأدلة الجرمية وسماع المرافعات الشفهية. أما المحاكمات المدنية فإن الوضع هو مختلف بعض الشيء، لان المذكرات المكتوبة تلعب دورأ كبيراً في الخصومة المدنية، من هنا يصح القول ان الخصومة أمام المحكمة المدنية تتسم بالطابع الشفاهي والكتابي معاً.
فالدعوى المدنية تقدم بموجب مخطوطة تٌسمّى صحيفة الدعوى، ويقدم المدعى عليه جوابه بواسطة مخطوطه تسمى مذكرة، ومن ثم يتبادل الخصوم أوجه دفاعهم بمخطوطات (راجع البند 558 وما يليه). إلا أن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، والملف لا يكتمل بانتهاء الخصوم من تقديم مذكراتهم الكتابية إلى المحكمة. إذ بعد ذلك تعين المحكمة مبدئياً موعداً لانعقاد الجلسة أمام المحكمة حيث يكون عندئذ بإمكان الخصوم أو وكلائهم أن يترافعوا في القضية بصورة شفاهية. وهكذا نرى أن المحاكمة المدنية تتسم بالطابع الكتابي والشفاهي معاً.
إلا أن ما يقتضى ملاحظته هنا هو أن مجال المرافعات الشفهية يضيق من الناحية العملية في نطاق الخصومات المدنية لصالح المذكرات الكتابية، حيث يكتمل الملف ويصبح جاهزاً للحكم بالاستناد إلى المذكرات الخطية المقدمة من الخصوم.
396 - مبدأ علانية جلسات المحاكمة: يعني هذا المبدأ أن الجلسات التي تعقدها المحكمة تجري في مكان مفتوح أمام الجميع، بمعنى أنه يجوز لأي كان حضور الجلسات والمناقشات التي تجـري أمام المحكمة، وهذا المبدأ مكرس إجمالاً في معظم التشريعات العصرية المتعلقة بالإجراءت المدنية والجزائية على السواء.
ويعتبر مبدأ العلنية من أهم المبادئ التي يمكن أن توحي بالثقة والاطمئنان لعدالة المحكمة ونزاهتها وموضوعيتها، وآية ذلك أنه عندما تنعقد الجلسات بشكل علني وعلى مرأى ومسمع ممن يرغب من رجال القانون وعامة الناس بحضور الجلسات، فعندها سيكون الجمهور الذي يحضر الجلسات رقيباً على الإجراءات التي تجري أمام المحكمة وما دار خلالها من مناقشات واستجوابات ومرافعات وما أُبرز من أدلة، بشكل يمكن الحاضرين بالنهاية من تقويم الحكم الذي يصدر بالنتيجة عن المحكمة.
وتبعاً لذلك، وبالنظر لأهمية مبدأ العلنية، نجد أن الشرع العالمية المتعلقة بحقوق الانسان حرصت على تكريس مبدأ العلنية بين المبادئ الهامة المعتمدة خصوصاً في مجال العدالة الجزائية، فكرسته المادة /11/ من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 6/1 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان والمادة 14/1 من الشرعية الدولية للحقوق المدنية والسياسية.
وقد كرس القانون الإماراتي مبدأ العلنية في نصوص صريحة وردت في عدة قوانين منها القانون الاتحادي رقم 6/78، المتعلق بانشاء المحاكم الاتحادية، إذ نصت المادة 4 منه على ان تكون جلسات المحاكم علنية إلا إذا رأت المحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب النيابة العامة أو أحد الخصوم جعلها سرية محافظةً على النظام العام أو الآداب. وفي جميع الأحوال يجب أن يتم النطق بالحكم في جلسة علنية. وقد استعادت المادة 76 من قانون الإجراءات المدنية ذات المبدأ عندما نصت على ان المرافعة تكون علنية، إلا إذا رأت المحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم إجراءها سراً محافظة على النظام العام أو مراعاة للأدب أو لحرمة الأسرة.
 ثم تكرس ذات المبدا في التشريعات المحلية داخل الإمارات كما حصل في قانون دائرة القضاء في إمارة أبوظبي حيث نصت المادة 13 منه على ان تكون جلسات المحاكم علنية، ما لم ينص التشريع على غير ذلك أو تأمر المحكمة من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الخصوم بسرية الجلسة للمحافظة على النظام العام أو مراعاة للآداب العامة أو لحرمة الأسرة. وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية( ).
397 - تجزئة القسم إلى ابواب: تبدأ الخصومة عادة أمام محكمة الدرجة الأولى وتنتهي بصدور حكم هذه المحكمة، إلاّ انه يمكن أن يُفتح باب الخصومة مجدداً بسلوك طرق الطعن المسموحة ضد هذا الحكم، ولكن الخصومة أمام محكمة الدرجة الأولى وأمام المحاكم التي تنظر بالطعن الموجه ضد الحكم تشترك باحكام عامة ترعاها، وتبعاً لذلك يجب بحث الأحكام العامة (الباب الأول) ثم تسلسل إجراءات الخصومة حتى بلوغ نهايتها المرجوّة بصدور حكم مبرم أو بات( ) (الباب الثاني).


لقراءة فهرس الكتاب اضغط هنا