Professor Dr Helmi Al Hajjar, Attorney at law
- Litigation, legal consultation and arbitration.
- Legal advice and services in the field of real estate, financial, commercial civil and administrative contracts and in the preparation of case memorandums for submission to the court of cassation under both Lebanese and UAE laws.
- Over 25 years of experience as a practicing lawyer through his own firm in Beirut, Lebanon in addition to his experience as a judge in Lebanon for 17 years and a judge in the commercial chamber in the court of cassation in Abu Dhabi.
- Professor at the higher institute of Legal studies at the faculty of law and political and administrative sciences at the Lebanese University in Beirut.
- Registered arbitrator at the Abu Dhabi Commercial Conciliation and Arbitration Center
Address: Hamra Street, Rasamny Center, 3rd  floor, Beirut, Lebanon.
Mobile: + 961 3 788848, Landline: +961 1 788889
Email: hajjar.legal@gmail.com, emihajja43@gmail.com         

Back

محاماة واستشارات قانونية

أبحاث ومقالات

المنهجية في تنظيم الحكم القضائي - في القانون الخاص

الدكتور حلمي محمد الحجار
23/12/1996  //  النشرة القضائية اللبنانية العدد ااثاني عشر


 النشرة القضائية اللبنانية 1996  العدد 12 صفحة 67
المنهجية في تنظيم الحكم القضائي
1 ـ منهجية حل النزاع القانوني تحكم عملية تنظيم الحكم القضائي ـــ مضمون الحكم القضائي: يهدف رفع النزاع أمام القضاء إلـى صدور حكم نهائي يفصل    هذا النزاع. ويـمثل الـحكم القضائي بـالتالـي المخطوطة التي يصوغها القاضي ويصدرها فاصلاً فيها النزاع المعروض عليه)1(.
ويتضمن الحكم القضائي قسمين: الأول هو الأسبـاب أو التعلـيـل الذي يبنى علـيه الـحكم والثانـي هو الفقرة الحكمية أو منطوق الـحكم، أي ما قضى به الـحكم حيال مطالب الـخصوم (راجع عن الـحكم القضائي البندين 230 و231؛ والبند 172 وما يليه).
وتلعب منهجية حل النزاع القانونـي هنا أيضاً دوراً فـي تـحديد الأمور الواجب إيرادها ضمن أسبـاب الـحكم وضمن فقرته الـحكمية، وإذا كانت الفقرة الـحكمية ترد فـي نهاية الحكم القضائي، إلاّ أن الـمنهج الذي يتبعه القاضي فـي الوصول إلـى الـحل، يظهر أن السياق الفكري للقاضي يبدأ بوضع تصور معين للـحل الذي سيكرسه فـي الفقرة الـحكمية، ومن ثم يضع التعلـيـل الذي يبرر ويدعم هذا الـحل، بـمعنى إنه إذا كان التعلـيـل يأتـي قبل الفقرة الحكمية في الحكم، فإن الفقرة الحكمية هي التي تسبق التعليل من الناحية الذهنـية لأن التعلـيـل يكون موجّهاً بـالـحل الذي يكون حاضراً فـي ذهن القاضي قبل البدء بصياغة الحكم، ومن ثم يوضع التعليل لخدمة الفقرة الحكمية.
وتبعاً لذلك فإن الدراسة الـمنهجية للـحكم القضائي تفرض البحث فـي الفقرة الـحكمية قبل البحث بـالأسبـاب أو التعلـيـل.
2 ـ تعريف الفقرة الـحكمية ـ أهميتها: تعتبر الفقرة الـحكمية الـجزء الأهم فـي الـحكم، لأنها تتضمن الـحل الذي أعطته الـمـحكمة للنزاع فـي حين أن التعلـيـل يهدف فقط لتبرير هذا الـحل.
وللفقرة الـحكمية أهمية خاصة نظراً لأن قوة القضية الـمقضية تقتصر مبدئياً علـيها دون الأسبـاب التـي بنـيت عليها ما لـم تكن تلك الأسبـاب مرتبطة بـالفقرة الـحكمية ارتباطاً وثيقاً وتشكل الركن الأساسي والدعامة اللازمة لها)1(، ومن ثم ينصب التنفـيذ علـى ما قضت به الفقرة الـحكمية، وتبعاً لذلك يجب أن تصاغ الفقرة الـحكمية بشكل واضح لا يترك أي مـجال للالتبـاس حول ما قضت به.
وتتضمن الفقرة الـحكمية الحل الذي أعطته الـمـحكمة لطلبـات الـخصوم، فإما أن تـحكم بها كلـياً أو جزئياً وإما أن تردها. وتتقـيد الـمـحكمة في الحالتين بمبادىء أصولـية وأُخرى مستمدة من منهجية حل النزاع القانونـي.
فـالـمبـادىء الأصولية تفرض على المحكمة أن تبت بكل ما هو مطلوب وفقط بـما هو مطلوب)2(، وهـذا يخـرج عـن موضوع هذا الكتاب.
أما المبادىء الأساسية الـمستمدة من منهجية حل النزاع القانونـي، فتفرض أن يأتـي منطوق الفقرة الـحكمية منطبقاً علـى الـحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونية المُطبّقة.
3 ـ انطباق منطوق الفقرة الحكمية على الحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونـية الـمطبقة: تتألف القاعدة القانونـية من فرضيات وحكم يقرر لهذه الفرضيات، ومتـى كانت القضية الـمخصوصة مشمولة بفرضيات القاعدة القانونـية، فلا بد أن يقرر لها عندئذ الـحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونية (راجع البند 10 وما يليه والبند 117 وما يليه من كتابنا المنهجية في القانون).
وبالتالي إن ما تقضي به الفقرة من نتـيجة إيجابـية للطلبـات، أي الـحكم بهذه الطلبـات كلياً أو جزئياً، يجب أن يأتي منطبقاً علـى الـحكم الذي تقرره القاعدة القانونـية ضمن ذات الشروط والقواعد التـي ذكرناها عند تـحديد الـمطالب من قبل الـخصوم، وقد بحثنا ذلك سابقاً (راجـع البند 136 من ذات الكتاب) ولا فائدة من تكراره.
وهذا يعنـي أن الفقرة الحكمية تقضي للخصوم بـمطالبهم أو تردّها بقدر ما تنطبق أو تبتعد هذه الـمطالب عن الـحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونـية الـمطبقة، وهذا يستتبع تقرير حق الـمـحكمة بإعطاء الوصف الصحيح لطلبـات الـخصوم من أجل تأكيد انطبـاقها علـى الـحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونية المطبقة.
4 ـ الوصف الصحيح لطلبـات الـخصوم: قد يخطىء أحد الـخصوم أحياناً فـي الأوصاف التـي يعطيها لطلبـاته، أو يعرض هذه الطلبـات بشكل يكتنفه الغموض، ألا أن إرادته تكون واضحة فـي طلب تطبـيق الـحكم الذي تتضمنه قاعدة قانونـية معينة. وعندها يعود للقاضي أن يعطى هذه الطلبـات وصفها الصحيح)1(.
فإذا عرض أحد الـخصوم أن عقداً تـم بينه وبين الـخصم الآخر وطلب بـالنتـيجة إلزام هذا الخصم بإعادة المبالغ التي دفعها له وبـالعطل والضرر لعلة عدم تنفـيذ الـخصم لإحكام العقد، فإن الوصف الصحيح لطلب الـمدعي هو أنه يطلب إلغاء العقد، لأن كل النتائج التـي يدلـي بها ترتكز علـى هذا الإلغاء، فإذا قالت الـمـحكمة بأن للمدعي الـحق بإلغاء العقد فلا تكون حكمت بغير الـمطلوب)1(، لأن الـمطلوب هـو فـي  الواقع تقرير الـحكم الذي تتضمنه الفقرة الثانـية من الـمادة 241/م.ع. وهذا الـحكم هو «إلغاء العقد مع طلب التعويض» (راجع نص الـمادة 241/2م.ع. ضمن البند 136) وبـالتالـي يكون منطوق الـحكم منطبقاً علـى ما تقرره القاعدة التـي تتضمنها الـمادة 241/2م.ع.
كذلك إذا أدلـى الـمدعي بعناصر واقعية معينة وتذرع بحل العقد بـمفعول رجعي، وطلب بـالنتـيجة إلغاء هذا العقد، فإن هذا الوصف للطلب لا يـمنع الـمـحكمة من الأخذ بـالوصف الصحيح له متـى كان الـمقصود منه الإبطال ولـيس الإلغاء)2(، أو إذا طلب الـمدعي فسخ العقد وكان الـمقصود حقيقة من خلال عناصر النزاع الإلغاء ولـيس الفسخ، إذ للـمـحكمة أن تـحكم بـالإلغاء ولـيس الفسخ)3(.
وهذا يعنـي أنه يعود للمحكمة أن تبحث على ضوء عناصر النزاع الواقعية والقانونـية عن الـحكم الذي يطلب أحد الـخصوم تطبـيقه،فإذا وجدت أن هذا الـحكم هو الذي تتضمنه القاعدة القانونـية الـواجب إعمالها لـحل النزاع، فـيجوز لها عندئذ أن تقضي بهذا الحكم طالـما أنه هو المطلوب حقيقة من قبل هذا الخصم.
ويتضح كل ذلك من خلال التعلـيـل الذي تضعه المحكمة لتأيـيد الـحل الذي توصلت إليه في الفقرة الـحكمية.
5 ـ تعريف التعليل ـ فائدته: إن التعليل هو الـجزء الأول من الـحكم الذي تبـين فـيه المحكمة الأسباب والعلل الواقعية والقانونية التـي حتمت عليها الانتهاء إلى الحل الذي أعطته للنزاع في الفقرة الحكمية.
وفـائدة التعليل مزدوجة: فهو من جهة وسيلة لإقناع الخصوم بما اقتنع وحكم به القاضي، وهو من جهة ثانـية وسيـلة تتيح للمحكمة التـي تنظر بالطعن الذي قد يقدم ضد الحكم مراقبة صحة النتيجة أو الحل الذي أعْطِي للنزاع.
ويبدأ التعلـيـل بعرض لعناصر النزاع الواقعية ومراحله القضائية ولوسائل الإثبـات الـمعروضة أو الـمتوفرة والقواعد القانونـية التـي قد يطلب الـخصوم حل النزاع علـى ضوئها، ثم تستخلص المحكمة، من هذا العرض، العناصـر الواقعيـة التـي تعتبرها ثابتة لتنطلق بعدها لاستـخراج النتائج القانونـية منها علـى ضوء القواعد القانونـية الواجب تطبيقها، وضمن حدود ما تقدم به الخصوم من طلبات.
ويخضع التعليل لنوعين من المبادىء: مبادىء أصولـية مستمدة من قواعد القانون القضائي الـخاص ومبادىء أساسية مستمدة من منهجية حل النزاع القانوني.
فالمبادىء الأصولية تفرض توفر التعليل كموجب شكلـي مفروض على المحاكم، وأن يتضمن التعليل حلاً لجميع الـمسائل الـمطروحة مع بيان الأسباب الملائمة لذلك)1(.
أما المبادىء الأساسية المستمدة من منهجية حل النزاع القانونـي فتفرض أن يثبت التعلـيـل وجود عناصر مقدمات القـياس أي العناصر الواقعية ـ الـمقدمة الصغرى ـ والعناصر القانونـية أي القاعدة أو القواعد القانونية التي تؤلف المقدمة الكبرى.
6 ـ القياس المنطقي القضائي في التعليل: يتضمن التعلـيـل جزئين رئيسيـين يشكل الأول منهما الـمقدمة الصغرى في القـياس الـمنطقـي، ويتمثل هذا الجزء بالعناصر الواقعية للنزاع، ويشكل الثانـي الـمقدمة الكبرى فـي القـياس الـمنطقـي ويتمثل هذا الـجزء بـالقاعدة القانونية المطبقة.
ويفرض البحث عن مقدمات القياس المنطقي القانونـي تحليل فرضيات القاعدة القانونـية إلى عناصرها الأولية من أجل استكشاف العناصر الواقعية الاجتـماعية التي بنيت عليها تلك الفرضيات، ومن ثم التـحقق مـمّا إذا كانت العناصر الواقعية في القضية الـمخصوصة تـمثِّل إحدى الحالات التي يطالها الحكم المقرر في القاعدة القانونية.
ويكفي أن يثبت التعليل وجود العناصر الواقعية الواجب توفرها لإعمال الحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونية المطبقة، لأن التـحقّق من وجود تلك العناصر يفـيد، من جهة توفرها فـي القضية الـمخصوصة، ومن جهة ثانـية أنها تـمثل إحدى الـحالات التـي تتضمنها فرضيات القاعدة القانونـية الـمطبقة. ويترتب علـى ذلك نتـيجة مزدوجة علـى صعيدي التعليل الواقعي والتعليل القانوني:
فالتعليل الواقعي يجب أن يثبت توفر جميع العناصر الواقعية الضرورية ـ طبقاً لتحليل فرضيات القاعدة القانونية ـ لإعمال الـحكم الذي تتضمنه تلك القاعدة، أما التعليل القانوني فيكفيه أن يذكر القاعدة القانونية المطبقة.
وإذا اعترى التعليل نقص فـي تبيان العناصر الواقعية الـمفروض توفرها لإعمال الـحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونـية فمن شأن ذلك أن يحول دون مراقبة صحة القـياس الـمنطقـي الـمطبق فـي الـحكم.
أمّا إذا اعترى التعلـيـل نقص أو خطأ فـي ذكر القاعدة القانونية فليس من شأن ذلك أن يحـول دون مـراقبة صحـة العمليـة القـياسية إذ يبقـى بـالإمكان البحث عن القاعدة القانونـية الصحيحة ـ أي الـمقدمة الكبرى ـ من خلال العناصر الواقعية المثبتة في الحكم.
7 ـ التعليل الواقعي يفرض التحقّق من جميع العناصر الواقعية المفروض توفرها لإعمال الحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونية: يجب    أن يثبت التعليل الواقعي وجود جميع العناصر الواقعية الـمفروض توفرها لإعمال الـحكم الذي تتضمنه القاعدة القانونـية الـمطبقة أو التـي تنطبق لـحل النزاع، أي جميع العناصر الواقعية التـي تبرّر الـحل الذي توصل إليه الحكم القضائي في الفقرة الحكمية.
مثـلاً عندما يطبق الـحكم القضائي القاعدة التـي تتضمنها الـمادة/ 131/م.ع. فإن تطبـيق الـحكم الذي تقرره تلك القاعدة يفترض توفر جميع العناصر الواقعية الاجتـماعية الأولـية التـي تقوم علـيها المفاهيم القانونية التي تتضمنها المادة/ 131/م.ع.
وهي: الحراسة ـ فعل الشيء ـ الصلة السببية بـين فعل الشيء والضرر (راجع البند 118 وما يليه) وبالتالي إن «الإلزام بـالتعويض» وهو الـحكم الذي تقرره القاعدة التـي تتضمنها الـمادة/ 131/م.ع. يفترض  أن يثبت التعلـيـل الواقعي توفر جميع العناصر الواقعية الأولـية، التـي بنـيت عليها تلك المفاهيم، في القضية المخصوصة موضوع النزاع.
8 ـ عدم كفاية التعليل الواقعي يحول دون التحقّق من صحة العملية القياسية: إن صحة العملـية القـياسية تفترض أن العناصر الواقعية ـ المقدمة الصغرى ـ تشكل إحدى الحالات التي تتضمنها فرضيات  القاعدة القانونـية - الـمقدمة الكبرى ــ. وتبعاً لذلك إذا كانت العناصر الواقعية غير كافـية نِسْبةً لفرضيات القاعدة القانونـية المطبّقة أو القواعد لقانونـية الممكن تطبيقها فيستحيل عندئذ التأكد من صحة العملـية القياسية.
ونـوضح ذلك فوراً بـالـمثال الذي ضربناه عن الـمتضرر الذي يطالب مُسَبّب الضرر بـالتعويض عن الضرر الذي أصابه بنتـيجة حادث الاصطدام (راجع هذا الـمثال ضمن البند 118 وما يليه). فلو افترضنا أن التعلـيـل الواقعي لم يبيّن العناصر الواقعية التي تفيد ثبوت أو قطع الصلة السببية، فكيف يمكن عندئذ التحقق من صحة العملية القياسية؟
إن هذا النقص في سرد العناصر الواقعية التي تقوم عليها الصلة السببـية يحول دون الوصول إلى أية نتيجة إيجابية سواء بتطبـيق القاعدة الـمتعلقة بـالـمسؤولـية عن حراسة الـجوامد (الـمادة/ 131/م.ع.) أو بتطبـيق أية قاعدة أخرى بـموضوع المسؤولية، كالمسؤولـية عن الفعل الشخصي أو المسؤولـية العقدية.
فالصلة السببية هي أحد الشروط الواجب توفرها لإعمال أي نوع من المسؤولية، وبالتالي إن عدم تبـيان العناصر الواقعية المثبتة لوجود الصلة السببـية يحول دون التأكد من صحة العملـية القـياسية، إذ من جهة يـمنع هذا النقص من تأييد الحل الذي يرتّب المسؤولـية، ومن جهة ثانية يـمنع هذا النقص من الجزم بعدم ترتب المسؤولية، إذ لا يـمكن الـجزم بذلك إلا بعد البحث فـي العناصر الواقعية التـي تقوم علـيها الصلة السببية.
وهذا يعني أن النقص في التعليل الواقعي يشكل خطأ فـي التقنية القانونـية، ويتـمثل هذا الـخطأ بعدم اكتمال أركان المقدمة الصغرى فـي القـياس الـمنطقـي القانونـي، ويحول بالتالي دون إمكانـية التـحقق من صحة الـحل الذي أعطي للنزاع بسبب تعذّر التـحقق من صحة العملية القـياسية، ومن ثم فإن هذا الـخطأ يجعل من الـمتعذر علـى مـحكمة التـميـيز مراقبة صحة الـحل الذي أُعْطِي للنزاع من قبل محكمة الأساس مما يفقد الحكم أساسه القانونـي.
9 ـ عدم كفاية التعليل الواقعي يفقد القرار أساسه القانونـي: يتـمثل فقدان الأساس القانونـي بعرض غير كافٍ للعناصر الواقعية التـي تبرّر تطبيق القاعدة القانونية التي طبقها القرار الـمطعون فـيه، وبحيث إذا وضعت تلك العناصر إزاء قواعد قانونـية أخرى فلا تؤدي إلـى حل مختلف بـالنسبة للقضية)1(.
فـالقرار القضائي يجد أساسه القانونـي بمقارنة العناصر الواقعية التـي استثبتها قاضي الأساس مع النص القانونـي الـمطبق، فإذا ظهر من خلال هذه الـمقارنة أن هناك مخالفة أو تطبـيقاً خاطئاً للقانون فـيـمكن عندئذ الطعن بهذا القرار لعلة مخالفة القانون، أما إذا لم يسمـح التعلـيـل بـمعرفة ما إذا كانت العناصر الواقعية الضرورية التي تبرّر تطبيق القاعدة القانونـية التـي استند إلـيها القرار متوفرة أم لا، فـيتـحقق عندئذ فقدان الأساس القانونـي. وبـالتالـي لا يمكن أن ينتج هذا العيب إلاّ عن عرض غير كامل للعناصر الواقعية، لأن مثل هذا العرض غير الكامل للعناصر الواقعية يمنع محكمة النقض من إجراء رقابتها)2(.
وإذا كانت مـحكمة النقض الفرنسية استعملت عبـارات متعددة، للتدليل على فقدان الأساس القانونـي كعبارة «إن القرار غير مبرر قانوناً» أو «أن ما استثبته قضاة الأساس لا يتـيح لـمـحكمة النقض إجراء رقابتها «أو» أن القرار لا يسمـح بمعرفة ما إذا كان قاضي الأساس قد حكم فـي الواقع أو فـي القانون أو «أن قاضي الأساس لـم يبرّر تطبـيقه أو رفضه لتطبـيق قاعدة قانونـية معينة»، فإن قرارات الـمـحكمة العلـيا تشترك جميعها بـميزة واحدة وهي أن قرار قاضي الأساس يعتريه عرض غير كامل للعناصر الواقعية)3( يمنع مـحكمة النقض من إجراء رقابتها، وهـذا العيب لا يـمكن التغاضي عنه وإلا أصبح بإمكان قضاة الأساس التفلت   من رقابة الـمـحكمة العلـيا باستعمال عبـارات غير كاملة أو مقتضبة أو غامضة مـما يعرض مهمة هذه الـمـحكمة لأن تصبح مهمة نظرية غير قابلة للتحقيق)1(.
كذلك إن الـحالات، التـي كانت فـيها مـحكمة النقض اللبنانـية تـحدد معنى فقدان الأساس القانونـي، ترتد عموماً إلـى التعريف الـمتقدم إذ كانت تقول أحياناً أن فقدان الأساس القانونـي يتوفر، عندما يكون    هناك نقص في سرد العناصر الواقعية المُبِرّرة لتطبـيق القاعدة القانونـية التـي طبقها القرار الـمطعون فـيه)2(، أو عندما يكون تعلـيـله غير كاف لـجهة العناصر الواقعية بحيث لا يتبـين منه كيفـية تطبـيق القاعدة القانونـية على تلك العناصر الواقعية)3(، أو عندما يكتنف الغموض والإبهام العناصر الواقعية بحيث لا يستفـاد منها بوضوح أن القاعدة القانونـية المطبقة تنطبق عليها فعلاً)1(، كما لو ورد في محضر ضبط الـمـحاكمة أن الـجلسة أُرْجئت إلـى تاريخ معين دون أن يرد فـي هذا المحضر أية إشارة إلـى ما حصل في الجلسة المحددة بهذا التاريخ، بل أن الـمـحضر أشار إلـى جلسة عُقِدَت بتاريخ لاحق لـم يحضرها المعترض، إذ إن مثل هذا الأمر يـمنع مـحكمة النقض من إجراء رقابتها والتدقـيق فـي ورقة التبلـيغ غير الـموجودة بـين أوراق الدعوى)2(، أو كما لو اعتبر القرار الـمطعون فـيه أن الدين عقد بتاريخ معين وفـي نفس الـوقت اعتبر أن الدين استـحق بتاريخ سابق لانعقاده)3(، أو عندما تكون العناصر الواقعية التـي ارتكز علـيها القرار متناقضة)4( لأن هذا التناقض يؤدي إلـى تهاتر العناصر الواقعية الـمتناقضة فلا يُعْرف بالنتيجة إلى أي منها استند الـحل المعتمد، الأمر الذي يمنع محكمة النقض من إجراء رقابتها)5(.
ويتبـين بـالنتيجة أن فقدان الأساس القانونـي يتوفر عندما تطبق المحكمة قاعدة قانونـية دون تبـيان العناصر الواقعية الكافـية الـمبررة لتطبـيقها)1(. إمّا إذا تضمن القرار الـمطعون فـيه عرضاً كافـياً وواضحاً للعناصر الواقعية التي اعتـمدها أساساً للـحل الذي انتهى إلـيه فلا يمكن النعي عليه بفقدان الأساس القانوني)2(.
وقد تبنّى قانون أصول المحاكمات الـمدنـية اللبنانـي، الصادر بـالـمرسوم الاشتراعي رقم 90/83، الـمفهوم الـمتقدم لفقدان الأساس القانونـي، فـاعتبر البند/ 6/ من الـمادة/ 708/ منه أن فقدان الأساس القانوني ـ كسبب للنقض ـ يتوفّر متى جاءت أسبـاب القرار الواقعية غير كافية أو غير واضحة لإسناد الحل القانوني المقرر فيه.
10 ـ حدود التعليل الواقعي: من أجل تبـيان أهمية رسم هذه الـحدود ننطلق من الـمثال التالـي = زيد يطلب إلزام عمر بدفع مبلغ من المال استناداً لعقد التزم بموجبه هذا الأخير دفع المبلغ المطالب به.
إن هذا الـمثال يوضح العناصر الواقعية التـي يجب أن تتضمّنها المقدمة الصغرى حتى يصح تطبـيق القـياس الـمنطقـي علـى الصعيد القانوني، وهذه العناصر هي التي تنطبق علـى فرضيات القواعد القانونـية التالية:
ـ يجب أن يحمل العقد توقـيع عمر (الـمادة 150 أ.م.م الـجديد) أو على الأقل يجب أن يثبت العقد بما يقوم مقام البينة الخطية.
ـ يجب أن لا يشوب العقد أي عيب من عيوب الرضى، وهذا يقتضي تبـيان العناصر الواقعية التـي تقوم علـيها فرضيات القواعد القانونية المنصوص عليها في المواد 202 وما يليها م.ع. ـ يجب أن يكون الـموجب الذي تضمنه العقد مسنداً إلـى سبب صحيح ومبـاح (الـمادة 196 م.ع).
وإذ انتقلنا إلـى القانون القضائي الـخاص وما يضعه من شروط لقبول الدعوى لتبـين لنا أنه يجب أن تتوفر فـي الـمدعي والـمدعى علـيه الصفة والـمصلـحة والأهلـية للادعاء.
والسؤال الذي يثـيره الـمثال الـمتقدم هو التالي = هل أن الـحكم لزيد بالمبلغ المطالب به يستتبع تبيان جميع العناصر الواقعية التـي تنطبق على فرضيات جميع القواعد القانونية المتقدمة؟
إذا كان القـياس الـمنطقـي القانونـي يفترض البحث فـي جميع العناصر الواقعية التي تقوم عليها فرضيات القواعد القانونـية الـمتقدمة، فإن القـياس الـمنطقـي القضائي يتـحدد من خلال أوجه النزاع التـي عرضت علـى القاضي (راجع البند 122 وما يليه) وضمن هذه الـحدود فقط يـلزم القاضي بالتحقّق من العناصر الواقعية المتنازع حولها.
فمهمة القاضي تتـحدّد بأوجه النزاع الـمعروضة علـيه من قبل الـخصوم  ونفترض، فـي الـمثال الذي انطلقنا منه، أن الـمدعي علـيه عمر لـم ينازع في صحة العقد ولا في أهلية المدعي زيد أو مصلـحته وصفته للإدعاء، بل انصبت منازعته فقط علـى سقوط الدين بمرور الزمن العشري، وطلب بالنتيجة رد الدعوى لهذا السبب.
إن تحديد النزاع ضمن الحدود المتقدمة يوضح العناصر الواقعية التي يجب على القاضي أن يبينها حتى يقيم القياس المنطقي الـمؤدي   إلـى حل النزاع. وهذه العناصر الواقعية تنحصر فقط بالعناصر التي تقوم علـيها فرضيات القواعد القانونـية الـمتعلقة بـمرور الزمن، أي تاريخ استـحقاق الدين وتاريخ إقامة الدعوى ثم وجود أو عدم وجود ما يوقـف أو يقطع مرور الزمن خلال هذه الـمدة.
فإذا وجد القاضي أن العشر سنوات قد مرت دون أن يوجد ما   يقطع أو يوقـف مرور الزمن يرد الدعوى، وفـي الحالة المعاكسة يقبل الدعوى ويحكم بإلزام الـمدعي علـيه بالمبلغ المطالب له، وعليه عندئذ   أن يبـيّن فقط العناصر الواقعية المثبتة لانقضاء أو عدم انقضاء مدة مرور الزمن، وبالتالي لا يكون القاضي ملزماً بتبـيان العناصر الواقعية الـمتعلقة بشروط صحة العقد ووجود السبب الـمبـاح والأهلـية والـمصلـحة للادعاء...
ويبقـى الأمر كذلك رغم تعلق بعض الأمور الـمتقدمة بـالانتظام العام ـ مثلاً السبب الـمخالف للآداب العامة (راجع عن القواعد الـمتعلقة بـالانتظام العام والآداب العامة البند 16)... لأن هذه الأمور، وإن     كانت تتعلق بـالانتظام العام ويحق للقاضي إثارتها عفواً، إلاّ أن إثارتها عفواً يرتبط بـمدى توفر العناصر الواقعية الـمثبتة لذلك فـي الـملف، وبـالتالـي إذا لـم يتوفر في الملف ما يلفت نظر القاضي إلـى وجود ما يخالف الانتظام العام فلـيس بإمكانه أن يثـير عفواً النقطة الـمتعلقة بـالانتظام العام.
وبـالعكس إذا أثار القاضي عفواً مسألة تتعلق بـالانتظام العام ورَدّ الدعوى بـالاستناد إلـيها، فـيتوجب عليه عندئذ أن يبيّن العناصر الواقعية التـي تبرر برأيه اعتبـار هذه الـمسألة متعلقة بـالانتظام العام.
11 ـ اختلاف حدود التعلـيـل الواقعي بـين القرار الذي يحكم بالطلب وبين القرار الذي يحكم برد الطالب ـ القاعدة الـمتعلقة بإعلان الإفلاس: تتألف القاعدة القانونـية من جزئين، فرضيات مـجردة وحكم  عام يقرر لهذه الفرضيات (راجع البند 11) وتنطوي فرضيات القاعدة   فـي الواقع علـى مسائل متعددة ترتبط بـينها بعلاقة أفقـية، بـمعنى أن تطبـيق الـحكم الذي تقرره القاعدة يستوجب توفّر جميع الـمسائل التـي تتضمنها الفرضيات، وبـالتالـي إن تـخـلّف أي من هذه المسائل يمنع تطبـيق هذا الـحكم.
ونوضح ذلك بـالـمثال التالـي الـمستـمد من القاعدة القانونـية المكرسة بالمادة /489/ من قانون التـجارة: كل تاجر يتوقـف عن دفع ديونه التجارية يعلن الإفلاس.
تتضمن هذه القاعدة حكماً عاماً هو «إعلان الإفلاس»، وهذا  الـحكم لا يـمكن تقريره إلاّ إذا توفرت العناصر الواقعية التي تقوم علـيها فرضيات هذه القاعدة وهي التالية:
(أ) التوقف عن الدفع، وهو بدوره يطرح المسائل الفرعية التالية:
صفة الدين (أن يكون تجارياً ثابتاً ومستحق الأداء ـ توفر العناصر المثبتة للتوقف عن الدفع).
(ب) أن يكون الـمطلوب إعلان إفلاسه تاجراً، وهذا يطرح بدوره الـمسائل الفرعية التالـية: القيام بأعمال تجارية ـ اتخاذ التجارة مهنة ـ مزاولة التجارة بالاسم الخاص ـ الأهلية التجارية.
ويفترض من أجل القضاء بـالـحكم الذي تتضمّنه الـمادة /489/، وهو إعلان الإفلاس، توفر عناصر فرضيات القاعدة بـما تتضمنه من مسائل فرعية، أي توفر جميع العناصر الواقعية اللازمة لذلك؛ أما إذا تـخـلّف أحد هذه العناصر فلا يمكن تطبيق القاعدة وتقرير حكم إعلان الإفلاس. وبـالتالـي إن العناصر الواقعية، الواجب بـيانها فـي الـحكم، تـختلف حسبـما يقترن الطلب بنتـيجة إيجابـية ـ أي قبول الطلب ـ أو بنتيجة سلبية ـ رد الطلب ـ.
12 ـ التعليل الواقعي عند اقتران الطلب بنتـيجة إيجابـية: إذا انتهت الـمـحكمة إلـى تقرير نتـيجة إيجابـية للطلب أي إذا قضت لأحد الـخصوم بـمطالبه كلـياً أو جزئياً، فـيعنـي ذلك أنها وجدت أن جميع العناصر الواقعية التي تنطبق على فرضيات القاعدة القانونية التـي طبقتها متوفرة، وهذه النتـيجة تـحتـم علـى المحكمة أن تبـيّن في حكمها جميع العناصر الواقعية التي تقوم عليها فرضيات القاعدة القانونـية الـمطبّقة، وإذا لـم تفعل ذلك أي إذا لـم تبـيّن جميع العناصر الواقعية الـمشروطة لتطبـيق هذه القاعدة، تكون افقدت قرارها الأساس القانوني)1(.
كما لو ادّعى شخص ضد آخر استناداً لـمبـادىء الكسب غير المشروع، وقضت محكمة الأساس للـمدعي بمطالبه، إذ عليها فـي هذه الـحالة أن تبـيّن جميع العناصر الواقعية، التـي تنطبق علـى فرضيات القاعدة القانونـية الـمتعلقة بـالكسب غير الـمشروع، من إثراء الـمدين وافتقار الدائن وتـجريد الإثراء من أي سبب وعدم وجود طريقة أخرى للادعاء وعدم توجيه الدعوى لإحبـاط نص قانونـي)2(.
أما إذا لـم يبـين الـحكم ما إذا كان هناك افتقار من قبل الدائن أو ما إذا كان الإثراء مـجرداً عن كل سبب أو ما إذا كانت لا توجد طريقة أخرى للادعاء، فإن هذا الـحكم يكون فـاقداً الأساس القانونـي حتـى ولو بـين العناصر الواقعية التـي تنطبق علـى بقـية الشروط)3(.
أو كما لو ادعى شخص ضد آخر طالبـاً إلزامه بتعويض الضرر اللاحق به من جراء خطأ ارتكبه الـمدعى علـيه، وقضت الـمـحكمة للـمدعي بمطاليبه مكتفية بتبيان العناصر الواقعية المثبتة للخطأ والضرر ومغفلة عن بـيان العناصر الواقعية الـمثبتة للصلة السببـية، إذ أن عدم تبـيان العناصر الواقعية التـي تقوم علـيها الصلة السببـية يفقد الـحكم الأساس القانونـي)1(.
كذلك إذا قالت مـحكمة الأساس أن شخصاً يتـمتع بصفة التاجر دون أن تبـين العناصر الواقعية الـمثبتة لهذه الصفة، فإن حكمها يكون فاقداً الأساس القانوني لأن الصفة التـجارية للشخص هي مسألة قانونـية، وعلى محكمة الأساس أن تبـيّن العناصر الواقعية التي تضفـي علـى هذا الشخص صفة التاجر حتى تتمكن محكمة التمييز من إجراء رقابتها)2(.
وبالنتيجة نرى أن المهم هو تبيان جميع العناصر الواقعية الـمبرّرة للنتـيجة التـي انتهت إليها محكمة الأساس في الفقرة الحكمية، فإذ بـيّنت هذه العناصر وقالت أنها تـحتـمل وصفـين قانونيين كلاهما يؤدي إلـى النتـيجة ذاتها التـي كرستها فـي الفققرة الحكمية، فإن هذه العناصر الواقعية تشكل أساساً قانونياً كافياً للحكم المطعون فيه)3(.
13 ـ التعليل الواقعي عند اقتران الطلب بنتـيجة سلبية ـ مثال عن القاعدة الـمتعلّقة بإعلان إفلاس التاجر: تتضمن فرضيات القاعدة القانونـية غالبـاً مسائل متعددة ترتبط بـينها بعلاقة أفقية (راجع البند 120وما يليه) وهذه العلاقة الأفقية تعني أن الـمـحكمة لا تكون ملزمــة ببحث الـمسائل الـمتعددة التـي تنطوي عليها فرضيات القاعدة القانونـية وفق ترتـيب معين، بل لها أن تبحث فـي أية مسألة قبل غيرها، حتـى  إذا وجـدت أن العنـاصر الـواقعية التـي تقوم عليها هذه الـمسألة غير متوفرة، خـلصت إلـى رد الطلب دون حاجة لبحث بـاقـي الـمسائل لعدم الفـائدة من هذا البحث، طالـما أن نتـيجة الدعوى لن تتغيّر حتـى ولو توفرت بقـية العناصر الواقعية التـي تقوم علـيها فرضيات القاعدة القانونـية.
ونوضح ذلك من خلال القاعدة القانونـية التـي تتضمنها الـمادة    /489/ تـجارة، ذاتها، بشأن إعلان الإفلاس.
إن حكم إعلان الإفلاس لا يـمكن تقريره إلا إذا توفرت العناصر الواقعية الـمثبتة لصفة التاجر فـي الشخص الـمطلوب إعلان إفلاسه والتوقـف عن الدفع بـما تتضمنه من مسائل فرعية (راجع البند 165)، وبـالتالي إن عدم توفر العناصر الواقعية المثبتة لأحد الشرطين الـمتقدمين يمنع تقرير حكم إعلان الإفلاس.
مثلاً إذا كانت صفة التاجر غير متوفرة فيجوز لـمـحكمة الأساس أن تكتفـي بتبـيان العناصر الواقعية الـمثبتة لذلك وترد الدعوى دون حاجة لبحث التوقـف عن الدفع، لأنه حتـى ولو كانت العناصر الواقعية الـمثبتة للتوقـف عن الدفع متوفرة فلـيس من شأن ذلك أن يؤثر علـى الـحل طالـما أن صفة التاجر غير متوفرة. وبـالعكس إن عدم توفر العناصر الواقعية الـمثبتة للتوقـف عن الدفع يـمنع أيضاً تقرير حكم إعلان الإفلاس حتـى ولو كان الشــخص الـمطلوب إعلان إفلاسه تاجراً.
والواقع أن الـمـحاكم كثـيراً ما تلـجأ إلـى تبـيان عدم توفر أحد العناصر الواقعية المشروطة لتطبيق القاعدة القانونية، لتخلص بالنتـيجة إلـى رد الطلب، مكتفـية بـالإشارة إلـى عدم الفـائدة من بحث بقـية الأسبـاب أو الـمسائل الـمدلـى بها. وهذا أسلوب مألوف كثـيراً فـي فن صياغة الأحكام.
وعندما تكتفـي المحكمة برد الطلب لتخلف العناصر الواقعية التـي يتضمنها أحد شروط تطبـيق القاعدة القانونـية، فإن تقدير فقدان الأساس القانونـي يتـم من خلال فحص العناصر الواقعية التـي انطلقت منها مـحكمة الأساس للقول بتـخـلف هذا الشرط ومن ثم رد الطلب.
إلاّ أن الوضع قد يختلف حسبـما يكون حل النزاع يـمكن أن يتـم بالاستناد إلى قاعدة قانونية واحدة أو قواعد قانونية متعددة.
14 ـ التعليل الواقعي عند اقتران الطلب بنتيجة سلبية في الحال التي يتوقف حل النزاع على تطبيق قاعدة قانونـية واحدة: عندما يكون حل النزاع لا يـمكن أن يتـم إلاّ بـالاستناد إلـى قاعدة قانونـية واحدة، فيكفي محكمة الأساس أن تبـين العناصر الواقعية المثبتة لتخـلف أحد شروط تطبـيق هذه القاعدة حتـى يكون حكمها مؤسساً من الناحية القانونـية.
مثلاً أن حكم إعلان الإفلاس لا يـمكن تقريره إلا بـالاستناد إلـى قاعدة قانونـية واحدة هي تلك التي تتضمنها الـمادة /489/ تـجارة. فإذا اعتبرت مـحكمة الأساس أن العناصر الواقعية الثابتة لديها تنفـي عن الشخص الـمطلوب إعلان إفلاسه صفة التاجر فـيكفـيها أن تبـين هذه العناصر الواقعية وترد الطلب، وعندئذ يتـم تقدير فقدان الأسـاس القانونـي بـمقارنة العناصر الواقعية التي انطلقت منها محكمة الأساس مع العناصر الواقعية التـي تشملها فرضيات القاعدة القانونـية التـي تتضمنها المادة /489/ في شقها المتعلق بصفة التاجر فقط.
فإذا اتّضح لمحكمة التمييز من هذه المقارنة أن الـحكم الـمطعون فـيه تضمّن العناصر الواقعية الكافـية لنفـي صفة التاجر عن الشخص الـمطلوب إعلان إفلاسه، أمكن القول أن هذا الـحكم مؤسس من الناحية القانونـية؛ وإذا اتّضح لها العكس تـحتّـم القول أن القرار فاقد لأساسه القانوني. كذلك إذا كان يحق لـمـحكمة الأساس أن ترد الدعوى لـمرور الزمن وتكتفـي بـالتالي ببحث مسألة مرور الزمن دون الـمسائل الأخرى الـمثارة من قبل الـخصوم، فإنه يتوجب علـيها أن تبـيّن العناصر الواقعية المثبتة لانقضاء مدة مرور الزمن، وإذا لم تبيّن هذه العناصر كان حكمها فاقداً لأساسه القانوني)1(.
ولكن إذا استندت محكمة الأساس في رد الدعوى إلـى تخلف العناصر الواقعية الضرورية لتطبيق القاعدة القانونية وإلى تـخـلف شرط آخر، فإن الـخطأ أو عدم تبـيان العناصر الواقعية الضرورية المثبتة لتـخـلف الشرط الآخر لا يعيب القرار المطعون فيه لأن تبـيان العناصر الواقعية الـمثبتة لتـخـلف الشرط الأول يعتبر كافـياً لوحده لتبرير ما قضت به محكمة الأساس)2(.
15 ـ التعليل الواقعي عند اقتران الطلب بنتـيجة سلبـية فـي الحالة التي يتوقـف فيها حل النزاع على تطبيق أكثر من قاعدة قانونية: يصدف أحياناً أن يكون حل النزاع يـمكن أن يتـم بـالاستناد إلـى قاعدة من بـين عدة قواعد مـحتـملة، ولـيس بـالاستناد إلـى قاعدة واحدة مـحدّدة؛ ولتوضيح هذا الاحتمال نضرب المثال التالي:
يعرض زيد أنه بينما كان برفقة عمر، في سيارة هذا الأخير الذي كان يقودها بنفسه، حصل حادث اصطدام أدى إلـى إلـحاق الضرر به، وطلب بـالنتـيجة إلزام عمر بتعويضه عن الضرر اللاحق به سنداً إلـى الـمسؤولـية عن حراسة الـجوامد وإلاّ عن الفعل الشخصي وإلا سنداً للمسؤولـية التعاقدية.هنا لا تستطيع الـمـحكمة رد الدعوى إلاّ إذا تبـيّن لها أن جميع أنواع الـمسؤولـيات الـمتقدمة لا يـمكن إعمالها لربط مسؤولـية عمر، فكيف يـمكن لها أن تؤسس قرار الرد؟
إن قرار الرد لا يمكن تأسيسه إلا بإبراز العناصر الواقعية المثبتة لتـخـلف شروط تـحقق كل من الـمسؤولـيات الـمتقدمة، أو علـى الأقل تخلف عنصر واحد من عناصر كل من هذه المسؤولـيات، أو عنصر مشترك بـينها.
وبالتالي إن رد الدعوى لمجرد انتفاء شروط تـحقق الـمسؤولـية عن الفعل الشخصي لا يكفـي لتأسيس قرار الرد، إذْ لا يتيح لمحكمة التـميـيز إجراء رقابتها ومعرفة لماذا ردّت محكمة الأساس الدعوى سنداً للـمسؤولـية عن حراسة الـجوامد أو سنداً للمسؤولية التعاقدية، إذ يجب علـى محكمة الأساس أن تبـين العناصر الواقعية المثبتة لتخلف شرط من شروط كل من أنواع الـمسؤولـيات المدلى بها، أو على الأقل أن تبـين العناصر الواقعية المثبتة لتخلف شرط مشترك بين أنواع هذه المسؤوليات.
مثلاً إن الضرر هو عنصر مشترك بين جميع أنواع المسؤولـيات، وبـالتالـي إن انتفـاء هذا العنصر يكفـي لتأسيس قرار الرد، فإذ بـينت مـحكمة الأساس العناصر الواقعية الـمثبتة لتـخـلف الضرر، فإن ذلك يشكل أساساً قانونياً كافياً لتبرير قرار الرد.
16 ـ التعليل القانونـي يتوفر بمجرد ذكر القاعدة القانونـية المطبقة: يتوفر التعلـيـل القانونـي بمجرد أن تذكر المحكمة القاعدة القانونـية التـي استندت إلـيها فـي حكمها، وهذا يعني أنه يكفي أن تذكر الـمحكمة القاعدة القانونية حتى يعتبر الحكم معللاً من الناحية القانونـية،  إذ لا حاجة بعد ذلك لأي تعلـيـل قانونـي آخر، لأن الاستناد لقاعدة قانونـية معينة يعتبر بحد ذاته تعلـيلاً قانونـياً كافـياً دونـما حاجة لإيراد أسبـاب قانونـية أخــرى تبرّر تطبـيق القاعـدة التـي استندت إلـيها  الـمـحكمة)1(. ولا يشترط أن يذكر الـحكم الـمادة القانونـية التـي تنطبق علـى القاعدة الـمطبقة)2(.
ولكن إذا كان التعلـيـل القانونـي يتوفر، طبقاً لرأي الاجتهاد، بمجرد أن يذكر الحكم القاعدة القانونية التي استند إلـيها، فلـيس معنى  ذلك أن التعليل القانوني لا يفترض تـحلـيـل فرضيات القاعدة القانونـية إلـى عناصرها الأولـية، وبالتالي ليس معنى ذلك أن التعلـيـل القانونـي ينحصر بذكر القاعدة القانونية المطبقة، بل يعني إن التعلـيـل القانونـي يتداخل مع التعليل الواقعي ذاته.
فـالتعلـيـل الواقعي ما هو إلا تأكيد علـى أن العناصر الواقعية الـمتوفرة في القضية المخصوصة موضوع النزاع مُتَضَمَّنَة فـي فرضيات القاعدة القانونـية المطبقة (راجع البند 159وما يليه)، لأنه عندما تؤكد الـمـحكمة فـي حكمها أن العناصر الواقعية، التي تـحققت منها وأثبتتها فـي الـحكم، ينطبق علـيها الـحكم الذي تقرره القاعدة القانونـية الـمطبقة، فمعنى ذلك أنها حللت ضمناً تلك القاعدة القانونية إلى عناصرها الأولـية، وتبـيّن لها بنتيجة هذا التحليـل أن العناصر الأولـية لفرضيات تلك القاعدة تشمل، ما بـين ما تشمله، العناصر الواقعية موضوع القضية الـمخصوصة، وتبعاً لذلك أعطت النزاع حلاً ينطبق علـى الـحكم الذي تقرره القاعدة التي ذكرتها.
وهذا يعنـي أن التعلـيـل القانونـي يـمكن إستخلاصه أحياناً من التعلـيـل الواقعي ذاته، ويؤكد ذلك أن مـحكمة التمييز أو النقض تعتبر دوماً أن الـخطأ فـي ذكر القاعدة القانونـية لا يؤدي إلـى نقض الـحكم، متـى كان الـحل الذي أعطته مـحكمة الأساس لعناصر النزاع الواقعية يـمكن تبريره بقواعد قانونـية غير التـي ذكرتها مـحكمة الأساس فـي حكمها.
17 ـ الـخطأ فـي ذكر القاعدة القانونـية الـمطبقة لا يعيب الـحكم متـى كان الـحل الذي أعطاه للنزاع صحيحاً: تؤكد مـحكمة التـميـيز دوماً بأنّه يحق لها أن تـحلّ مـحل أسبـاب الـحكم الـخاطئة أسبـابـاً قانونـية صرفة لتبرير الفقرة الـحكمية الـمنطبقة عل القانون)1(،بـمعنى أنه يجوز لـمـحكمة التمييز أن تستنبط عفواً الأسبـاب القانونـية وأن تـجلوها عند غموضها وتستخلص المادة القانونية الواجبة التطبـيق من العناصر الواقعية المستثبتة من قضاة الأساس)2(، وبالتالي إنّ الـخطأ في التعليـل القانونـي للحكم لا يُفْضي إلى إبطال هذا الـحكم  إذا كان مسنداً إلـى سبب آخر صحيح)1( بـمعنى أنه إذا تضمن الـحكم تعليلاً قانونـياً سلـيـماً وكافـياً لتبرير الـحل الذي انتهى إليه، فلا يعيبه بعد ذلك احتواؤه علـى أسبـاب أخرى خاطئة)2(، وبـالتالـي عنــدما يستند الحكم إلى تعلـيـلـين أحدهما أصلـي وسلـيـم والآخر إضافـي، فإنّ الطعن بـالتعلـيـل الإضافي يظل غير مجدٍ ما دام القرار مسنداً إلـى التعلـيـل الأصلـي السلـيـم)3(، وإذا ما أكثر القرار المطعون فـيه من الاستشهاد بـالـمواد القانونـية، وكانت بعض هذه الـمواد غريبة عن موضوع النزاع، فلـيس من شأن ذلك أن يعيب هذا القرار متـى ورد    مع النصوص الزائدة ذكر للـمواد الـحاسمة التي يجب حل النزاع علـى ضوئها)4(.
إن النتيجة المنطقية للتـحلـيـل المتقدم تستتبع القول أن النقص أو الغموض فـي التعلـيـل القانونـي لا يشكل بحد ذاته سببـاً من أسبـاب النقض)5(، كذلك أن التناقض فـي التعلـيـل القانوني لا يقدح فـي القرار الـمطعون فـيه، لأن مثل هذا التناقض لا يحول دون مـمارسة مـحكمة التـميـيز لرقابتها علـى هذا القرار، طالـما أنّ بإمكانها أن تـحِلّ مـحل الحيثيات المتناقضة حيثيات سليمة، فـالتناقض في التعلـيـل القانونـي لا يشكل سببـاً للنقض متى كانت النتيجة التي انتهى إلـيها القرار الـمطعون فيه سليمة من الناحية القانونية)1(.
وهذا يعني أن محكمة التـميـيز تعتبر أن النقص أو الغموض أو التناقض أو الخطأ في التعلـيـل القانوني لا يؤدي إلى نقض الـحكم متـى كانت النتـيجة التي انتهى إليها سليمة من الناحية القانونية)2( لأن التعلـيـل الواقعي ـ أي العناصر الواقعية الـمثبتة فـي الـحكم ـ ينطلق ضمناً من تحليل فرضيات القاعدة القانونـية إلى عناصرها الأولـية طبقاً لـمنهجية حل النزاع القانوني (راجع البند 118 وما يـلـيه والبند 161 وما يـلـيه) وهذا يتيح لمحكمة التمييز إجراء رقابتها وتعيين القاعدة القانونية التـي تنطبق فعلاً علـى العناصر الواقعية المثبتة في الحكم المطعون فيه، متـى وجدت أن هناك قاعدة قانونـية أخرى، غير التـي استند إلـيها الـحكم، تبرر الحل الذي أعطاه الحكم للنزاع في الفقرة الحكمية.