Professor Dr Helmi Al Hajjar, Attorney at law
- Litigation, legal consultation and arbitration.
- Legal advice and services in the field of real estate, financial, commercial civil and administrative contracts and in the preparation of case memorandums for submission to the court of cassation under both Lebanese and UAE laws.
- Over 25 years of experience as a practicing lawyer through his own firm in Beirut, Lebanon in addition to his experience as a judge in Lebanon for 17 years and a judge in the commercial chamber in the court of cassation in Abu Dhabi.
- Professor at the higher institute of Legal studies at the faculty of law and political and administrative sciences at the Lebanese University in Beirut.
- Registered arbitrator at the Abu Dhabi Commercial Conciliation and Arbitration Center
Address: Hamra Street, Rasamny Center, 3rd  floor, Beirut, Lebanon.
Mobile: + 961 3 788848, Landline: +961 1 788889
Email: hajjar.legal@gmail.com, emihajja43@gmail.com         

Back

محاماة واستشارات قانونية

أبحاث ومقالات

حبذا لو يكون قراررفض تمديد مهلة تقديم مذكرة الدفوع الشكلية في قضية مرسال غانم بداية حل لمشكلة الاختناق القضائي في لبنان - في القانون الخاص

الدكتور حلمي محمد الحجار
17/04/2018  //  مجلة رابطة قضامى القضاة من صفحة 37 الى 53


1ـــ حصر المقالة بالجانب القانوني دون الجانب السياسي: كثر الكلام السياسي عن قرار رفض تمديد مهلة تقديم مذكرة الدفوع الشكلية ومن ثم  اصدار حضرة قاضي التحقيق الاول في جبل لبنان مذكرة الإحضار عقب جلسة 18/12/2017، في حين قل الكلام القانوني عن الموضوع الى ان اصدر مقام مجلس القضاء الاعلى بياناً اوضح فيه صحة الموقف القانوني لقرار حضرة قاضي التحقيق الاول، إلاّ ان الكلام السياسي  في الموضوع استمر بعد ذلك، دون ان يتوقف أحد عند الجانب القانوني، وتبعاً لذلك نعرض للجانب القانوني من الموضوع، لنخلص بالنتيجة الى التمني بان تكون صحة الحل القانوني لقرار قاضي التحقيق الاول برفض تمديد مهلة تقديم مذكرة الدفوع الشكلية بداية لمعالجة احد أهم اسباب الاختاق القضائي والتأخير في فصل الدعاوى، خصوصاً في القضايا الحقوقية.
    2 ـــ وقائع القضية التي سبقت اصدار القرار برفض تمديد المهلة والمشكلة القانونية التي يطرحها هذا القرار: من خلال ما نشر في الصحف، وبالأخص بيان مجلس القضاء الاعلى، تتلخص الوقائع التي بُني عليها القرار كما يلي: ادعت النيابة العامة على الصحافي الشهير مرسال غانم( )  بجرم معين ذُكِر في ورقة الطلب التي اُحيلت الى حضرة قاضي التحقيق الاول في جبل لبنان والذي حدد موعدا لجلسة الاستجواب بتاريخ 4/12/2017، وقد تم تبليغ الموعد الى الصحافي الشهير بالذات. وبتاريخ  4/12/2017 انعقدت الجلسة دون ان يحضر الاستاذ مرسال بل حضر عنه محامٍ من مكتب وكيله الاستاذ بطرس حرب  وطلب الاطلاع على القضية فقام قاضي التحقيق الاول بابلاغه مآل الادعاء حيث استمهل المحامي الوكيل للتقدم بمذكرة دفوع شكلية، فامهله القاضي مدة اسبوع لتقديم دفوعه الشكلية،  وقرر في نفس الوقت إرجاء الجلسة مدة اسبوعين الى 18/12/2017 وافهم المحامي الوكيل وجوب حضور موكله بالذات في ذلك التاريخ، إلاّ ان المحامي الوكيل لم يتقدم بمذكرة الدفوع الشكلية خلال مهلة الاسبوع التي منحه اياها قاضي التحقيق، بل جاء الى جلسة 18/12/2017 بمفرده ودون ان يحضر معه موكله للاستجواب، فاعتبر قاضي التحقيق ان حضور المحامي الوكيل للمرة الثانية بمفرده وعدم مثول الموكل معه غير قانوني طالما انه لم يقرر تمديد مهلة تقديم مذكرة الدفوع الشكلية، وتبعاً لذلك رفض استلام مثل تلك المذكرة من المحامي الوكيل، من هنا يكون السؤال المطروح هو التالي: هل ان قاضي التحقيق الأول كان ملزما بالاستجابة لطلب المحامي الوكيل بتمديد المهلة الاولى التى منحها للمحامي الوكيل لتقديم مذكرة الدفوع الشكلية، وتالياً هل كان ملزماً بقبول حضور المحامي الوكيل للمرة الثانية دون حضور الموكل، ام ان القانون يمنعه من ذلك، أو ان الامر متروك للسلطة التقديرية لقاضي التحقيق؟
3 ـــــ الجواب نجده في النصوص القانونية : وبالفعل تنص المادة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الحالي على انه: يحق لكل من المدعى عليه أو لوكيله دون حضور موكله، .... ان يدلي مرة واحدة وقبل استجواب المدعى عليه بدفع او بعدة دفوع (شكلية) من تلك المعددة في ذات المادة، كما تنص الفقرة الثانية من المادة 106 من القانون ذاته انه على المدعى عليه ان يحضر الى دائرة قاضي التحقيق بعد تبليغه ورقة دعوته وان يمثل أمامه ، واذا لم يحضر ، دون ان يبدي عذرا مشروعاً أو خشي قاضي التحقيق فراره فيصدر مذكرة إحضار في حقه تتضمن أمراً خطياً الى قوى الأمن لتأمين إحضاره خلال اربع وعشرين ساعة من موعد الجلسة المقرر. وتتولى النيابة العامة تنفيذ مذكرة الإحضار. ويبنى على النصين المذكورين النتيجتين التاليتين:
        النتيجة الاولى: المبدأ هو حضور المدعى عليه شخصيا ومثوله أمام قاضي التحقيق في الموعد الذي يحدده القاضي للاستجواب، وذلك بمجرد ان يتبلغ ورقة دعوته الى الجلسة
        النتيجة الثانية: إذا كان لدى المدعى عليه او لوكيله دفوع شكلية من تلك المعدة في المادة 73 فيجوز للمدعى عليه ان لا يحضر في الجلسة الاولى المخصصة للاستجواب، بل له ان يمتنع عن الحضور ويكتفي بحضور المحامي وكيله القانوني.
        ونلاحظ هنا انه وكأن نص المادة 73 سالفة الذكر اوجب تقديم مذكرة الدفوع الشكلية فور حضور الوكيل في الجلسة الاولى المخصصة للاستجواب، دون ان تلمح الى حق المدعى عليه أو وكيله بطلب مهلة لتقديم دفوعه الشكلية، إلاّ ان التعامل القضائي كان يظهر دوماً ان المحامي الوكيل كان يحضر الجلسة الاولى التي دُعي فيها موكله للاستجواب ويطلب مهلة لتقديم دفوعه الشكلية، وكان قضاة التحقيق يستجيبون لطلب الاستمهال، ومن ثم في غالب الاحيان كان القاضي يمنح المحامي مهلة قصيرة لتقديم مذكرة الدفوع الشكلية ويحدد موعداً جديداً لجلسة الاستجواب تبعد بشكل ملحوظ عن الموعد المحدد لتقديم الدفوع الشكلية، كما حصل في القضية الشهيرة للإعلامي الشهير.     
         والحكمة من تحديد مهلة لتقديم مذكرة الدفوع الشكلية سابقة بمدة معينة عن موعد جلسة الاستجواب اللاحقة تكمن في ان الاستجواب لا يمكن ان يتم الا بعد البت بالدفوع الشكلية المقدمة، ذلك انه يمكن ان يقرر قاضي التحقيق قبول مذكرة الدفوع الشكلية او احد هذه الدفوع بحيث لا يعود من حاجة لجلسة الاستجواب، أما اذا رفض قاضي التحقيق مذكرة الدفوع الشكلية او قرر ضمها للاساس فعندها تجري جلسة الاستجواب في موعدها.
           ومن المعلوم أن الفقرة قبل الآخيرة من المادة /73/ توجب على قاضي التحقيق ان يستطلع رأي النيابة العامة قبل البت بالدفوع الشكلي. من هنا كان التعامل القضائي أمام قضاة التحقيق بأنه في حال استمهل المحامي لتقديم مذكرة الدفوع الشكلية يمهله قاضي التحقيق مدة قصيرة تكون سابقة لجلسة الاستجواب حتى يتسنى له البت بالدفوع الشكلية قبل الجلسة التي عينها للاستجواب.        
        من هنا يطرح السؤال التالي: في حال لم يقدم المحامي مذكرة الدفوع الشكلية ضمن المهلة القانونية التي منحه اياها قاضي التحقيق، ومن ثم جاء في الموعد المخصص لجلسة الاستجواب يقدم مذكرة الدفوع الشكلية في تلك الجلسة ويطلب ارجاء الاستجواب مجدداً الى جلسة ثالثة ـــــــــ وهذا ما حصل بقضية الاعلامي الشهير ــــــــــ ، هل يكون قاضي التحقيق ملزما بتمديد المهلة لتقديم مذكرة الدفوع الشكلية وتحديد جلسة لاحقة للاستجواب ام يكون ممنوعا عليه ذلك، ام يبقى الامر متروكا لتقدير قاضي التحقيق في منح مهلة جديدة او رفض الطلب مثل تلك المهلة.
ونبادر فورا الى القول هنا ان المادة /455/ من قانون اصول المحاكمات المدنية تنص على انه «للمحكمة أن تقصّر مهل تبادل اللوائح في القضايا التي تستلزم العجلة، على أن لا تقل المهلة التي تحددها عن أربع وعشرين ساعة. ولها في القضايا الأخرى أن تطيل تلك المهل بناء على طلب أحد الخصوم إذا وجدت مبرراً لذلك. وتصدر المحكمة قرارها بتقصير المهل أو بإطالتها في غرفة المذاكرة» وهذا المبدأ المقرر في قانون اصول المحاكمات المدنية واجب التطبيق في قانون اصول المحاكمات الجزائية عملا بنص المادة /6/ من القانون الأخير التي تعتبر ان قانون اصول المحاكمات المدنية هو القانون العام في الاصول بحيث يرجع اليه في كل مرة تقتضي الضرورة ذلك في بقية الاصول (الجزائية او الادارية او حتى التأديبية). ومن ثم يكون تمديد المهل أو رفض التمديد متروكا للسلطة التقديرية للقاضي، بمعنى انه يجوز للقاضي تمديد مهلة مذكرة الدفوع الشكلية التي كان منحها للمدعى عليه او وكيله كما له ان يرفض اعطاء مهلة جديدة. ومن ثم يصح القول انه كان لقاضي التحقيق الأول، وبسلطته التقديرية، ان يقرر تمديد مهلة تقديم مذكرة الدفوع الشكلية لوكيل الاعلامي مارسيل غانم، كما كان له ان يرفض ذلك، طبعاً  هذا من الناحية القانونية البحتة؛ ويظهر ان السلطة التقديرية لقاضي التحقيق الاول دفعته باتجاه رفض تمديد المهلة، ومن ثم فان قراره برفض تمديد المهلة هو صحيح من الناحية القانونية، وتالياً فان البيان الذي صدر عن مقام مجلس القضاء الاعلى بخصوص ذات الموضوع جاء في موقعه القانوني الصحيح.
ونتمنى لو يكون هذا الحل القانوني في إضفاء الطابع الجدي للمهل القضائية والقانونية للمحاكمة، والتي تخضع لتقدير القاضي، بداية لحل مشكلة الاختناق القضائي وتسريع المحاكمات و فصل الدعاوى، خصوصا في القضايا المدنية والتجارية.
4 ــــ مشكلة الاختناق القضائي والتأخير في فصل الدعاوى في لبنان، بالمقارنة مع دول اخرى: لا حاجة للتذكير بمشكلة الاختناق القضائي والتأخير في فصل الدعاوى، وبالأخص الحقوقية مثل الدعاوى المدنية والتجارية التي قد تستغرق سنوات عديدة تتجاوز أحيانا العقدين. وهنا اسمح لنفسي ان اقارن بين المدة التي يستغرقها فصل الدعوى الحقوقية في لبنان وبين ذات المدة في محاكم ابوظبي،  من خلال تجربة مدتها خمس سنوات عملت فيها كقاضٍ في محكمة النقض في ابو ظبي منذ  العام 2012 لغاية آخر حزيران من العام 2017، وذلك بعد ان انتهت مدة خدمتي هناك بسبب بلوغ السن القانونية، حيث عدت  الى لبنان في هذا الصيف نهائياً لاستعيد عملي في المحاماة في مكتبي في لبنان. لعل في المقارنة فائدة لدفع المسؤولين لاعتماد الحل الصحيح في حل مشكلة التأخير في فصل الدعاوى.
    5 ــــ عدم جدوى الحل الذي كانت تلجأ اليه السلطة لمعالجة مشكلة الاختناق القضائي والتأخير في فصل الدعاوى في لبنان، وذلك عن طريق تعديل او استحداث قواعد جديدة في المحاكمة، في حين ان المعالجة تكون بتطبيق النصوص السارية المفعول:  ان الحل الذي تلجأ اليه السلطة أحيانا كان في تعديل النصوص القانونية او اعتماد نصوص قانونية جديدة، كما  فعلت عندما اصدرت القانون رقم 154/2011 بعنوان تسريع الفصل بالدعاوى المدنية والتجارية بالنسبة للدعاوى التي لا تتجاوز قيمتها مبلغاً يعادل ثلاثين مرة الحد الادنى للأجور، وذلك بالنص على مهل اقصر لتبادل اللوائح والتشدد في تطبيق المهل، ونكتفي هنا بمثالين عن الجديد الذي اتى به القانون سالف الذكر بالمقارنة مع مهل المحاكمة العادية كما هي معينة في قانون اصول الحاكمات المدنية:
يشرع في المحاكمة، سواء بموجب الاصول العادية المنصوص عنها في قانون اصول الحاكمات المدنية أو بموجب الاصول التي حددها القانون رقم 154/2011 بتقديم المدعي مطاليبه وادعاءاته أمام المحكمة بموجب مخطوطة تسمى «الاستحضار» يطلب بموجبها تبليغ خصمه هذه المخطوطة ودعوته للحضور أمام المحكمة المرفوعة أمامها الدعوى ليحكم بموضوع الطلبات المقدمة منه. ومن ثم لا جديد لهذه الناحية، انما الجديد الذي اتى به القانون الاخير يتمثل بثلاثة مسائل:
الاولى:  حدد مهلة الجواب للمدعى عليه باسبوع واحد بدلاً من المهلة العادية المحددة بخمسة عشر يوماً في قانون أصول المحاكمات المدنية.
الثانية: تشدد في المهل القضائية للمحاكمة بان منع على القاضي ان يمنح مهلاً اضافية، في حين ان قانون اصول المحاكمات المدنية اجاز للمحكمة أن تقصّر تلك المهل في القضايا التي تستلزم العجلة، أو تطيلها في القضايا الأخرى إذا وجدت مبرراً لذلك. (المادة455 أ.م.م.)
الثالثة: حدد مهلة لا تتجاوز اسبوعين لإصدار الحكم بدلاً من المهلة العادية المحددة بستة أسابيع في قانون أصول المحاكمات المدنية.
ان المراقب، البعيد عن قصر العدل، والذي يقرأ هذه التعديلات يتراءى له ان المسؤول عن قطاع العدالة في لبنان حريص على تسريع المحاكمات في القضايا المدنية والتجارية لدرجة انه يفكر بتقصير مهل المحاكمة مدة اسبوع او مهلة اصدار الحكم اربعة اسابيع ظناً من مثل ذلك المراقب بان الاحكام تصدر خلال اشهر أو خلال سنة واحدة كما يحصل في البلاد الحريصة على ايصال الحقوق لاصحابها خلال مهل معقولة بحيث يكون الحق المحكوم به ما زالت له نفس القيمة التي كانت له عند بدء النزاع. في حين ان واقع الحال في لبنان هو ان الحقوق لا تصل الى اصحابها إلاً بعد ان يكون الحق فقد قيمته، ذلك ان الاحكام لا تصل الى مرحلتها الاخيرة إلاّ بعد سنوات طويلة، ويكفي ان نذكر ان هناك دعاوى في اقلام المحاكم لازالت متداولة وقد تم تأسيسها  في اقلام المحاكم خلال القرن الماضي، أي قبل العام الفين، ومن ثم نتساءل ما هي قيمة الحق الذي سيحصل عليه صاحبة بعد تلك المدة، ما هي قيمة هذا الحق اليوم بالنسبة لقيمته في السنة التي بدأ فيها النزاع بشأنه؟ من هنا يصح التساؤل: هل ان السبب في ذلك هو نقص في النصوص القانونية ومن ثم اتى القانون رقم 154/2011 ليتداركها؟
6 ــــ النقص ليس في النصوص القانونية بل في التطبيق ــــ مقارنة بين القانون اللبناني وبين القانون الاماراتي: ان نصوص قانون  اصول المحاكمات المدنية اللبناني الساري المفعول هو من افضل وارقى القوانين في أصول المحاكمة في العالم، وهو مأخوذ في كثير من نصوصه عن احدث قانون لاصول المحاكمات صدر في فرنسا العام 1975، ويكفي ان اقارن هنا بين هذا القانون وبين قانون الاجراءات المدنية في دولة الامارات العربية المتحدة لاقول ان القانون اللبناني سابق القانون الاماراتي بأشواط في هذا المجال. وانا اقول هذا الكلام بناء للمؤلفات التي وضعتها في لبنان وفي دولة الإمارات العربية المتحدة عن كل من القانونين. ولا شك ان اكثر رجال القانون في لبنان يعرفون مؤلفاتي في مجال الاصول المدنية، واضيف هنا انني وضعت شرحاً للقانون الاماراتي يقع في جزئين كل جزء يتجاوز الستماية صفحة، من هنا اسمح لنفسي ان اقارن بين القانونين واخلص الى القول ان القانون اللبناني اكثر تطوراً من القانون الاماراتي بأشواط.
من هنا ضرورة اكمال المقارنة بين الفترة الزمنية التي تصدر فيها الاحكام في لبنان مقارنة مع أبوظبي، بمعنى هل ان الاحكام تصدر في لبنان بشكل اسرع مما هو عليه الوضع في دولة الامارات العربية المتحدة طالما ان القانون اللبناني اكثر تطوراً؟ وهنا ايضاً اسمح لنفسي ان اجري مثل هذه المقارنة بناء على الخبرة التي عايشت فيها محاكم ابوظبي كقاضٍ في محكمة النقض كما اسلفت سابقاً، كما عايشت فيها محاكم لبنان كقاضٍ ثم كمحامٍ قبل سفري الى ابو ظبي في العام 2012 ثم بعد عودتي الى ممارسة المحاماة في لبنان ابتداءً من صيف 2017.
وبنتيجة التجارب التي عايشت فيها المحاكم في كل من لبنان وابوظبي، اسمح لنفسي بالقول ان الفترة الزمنية العادية التي تستغرقها المحاكمة المدنية او التجارية في ابوظبي، في جميع مراحلها ـــ أي بداية واستئناف وتمييز او نقض ـــ هي في حدود سنة الى سنتين، أما في لبنان فلن أذكر المدة بل أترك لرجال القانون من قضاة أو محامين ان يعودوا الى الملفات الموجودة بين ايديهم؛ ولكن يمكنني هنا ان أذكر، وبشكل شخصي، ان هناك ملفات بين يدي عالقة أمام المحاكم في لبنان منذ عقدين وقد صدر فيها أكثر من قرار اعدادي في العام 2017. وبنتيجة هذه المقارنة يمكنني ان اذكر ان الادارة المسؤولة عن العدالة في أبوظبي ابلغتنا السنة الماضية ان احدى المؤسسات الدولية التي تجري احصاءات خلصت في السنة الاخيرة الى ان محاكم ابوظبي اتت في المرتبة الاولى في مؤشر سرعة فصل الدعاوى التجارية، مما يعطي للمشاريع الاستثمارية هناك ضمانة في الحصول على الحق بسرعة في حال تعرض الغير لهذا الحق.
من هنا ضرورة استبيان الاسباب التي تؤخر اصدار الاحكام في لبنان الى حد يتجاوز المعقول احياناً، بالمقارنة مع السرعة التي كنا نصدر فيها الاحكام في ابو ظبي، وهنا لا اتكلم بلساني فقط  بلسان اربعة  من  أعلام القضاة السابقين في لبنان هم الزملاء الرؤساء الثلاثة الاسبقين للتفتيش القضائي في لبنان وهم الرئيس وليد غمرة والرئيس طارق زيادة والرئيس محمد عويضة اضافة الى الرئيس احمد المعلم الرئيس الاسبق لمحكمة التمييز الجزائية في لبنان، ذلك ان الاعلام الاربعة في القضاء اللبناني عملوا ايضاً كمستشارين في نفس محكمة النقض التي عملت فيها في ابو ظبي، ومن ثم لديهم نفس التجربة هناك كمستشارين في نفس المحكمة.  ومن ثم يمكنني ان اوجز أهم  الأسبأب في تاخير فصل الدعاوى في لبنان بالمقارنة مع السرعة التي يصدر فيها الحكم في ابوظبي باثنين لا يعود اي منهما الى النقص في النصوص القانونية، بل هو يعود الى عدم التشدد في تطبيق النصوص في لبنان، والسببان هما: تضخيم الملف بالقرارات الاعدادية وعدم تطبيق النصوص القانونية أو التراخي في تطببيقها وكذلك انعقاد جلسات لا فائدة منها.


7 ـــ تضخيم الملف بالقرارات الاعدادية: ان أحد اهم اسباب التأخير في فصل الدعاوى في لبنان يعود لكثرة القرارات الاعدادية التي تصدر  قبل صدور الحكم النهائي المنهي للخصومة، ويكفي الادارة القضائية ان تتصفح بعض محاضر ضبط المحاكمات الحقوقية التي تأخر فيها صدور الحكم حتى تتبين عدد القررات الاعدادية التي يتضمنه المحضر، مع العلم ان مجرد صدور أي قرار اعدادي  في الملف يمكن ان يؤخر صدور الحكم في لبنان عدة سنوات احياناً، في حين ان تجربتنا في قضاء ابوظبي  هو خلو الملف في اكثر الاحيان من اي قرار اعدادي، ذلك ان القرارات الاعدادية التي كنا نلاحظها في ملف محكمة الموضوع كان في اكثر الاحيان لمرة واحدة ويتعلق بتعيين خبير في الحالة التي كانت تجد فيها محكمة الموضوع ان هناك ضرورة لخبرة فنية؛ اما في لبنان فاكثر الملفات التي تاخر الفصل فيها فتعاني من تخمة في القرارات الاعدادية. في حين ان النصوص القانونية في لبنان هي جد متطورة وتغني عن صدور مثل تلك القرارات عن المحكمة مجتمعة وذلك بتطبيق النص الذي يوجب تعيين قاضٍ منتدب للملف، كما تغني عن جلسات المحاكمة التي لا طائل منها سوى تاخير فصل الدعوى وتضييع وقت القضاة في انعقاد الجلسات، خصوصاً مع التراخي في تطبيق المهل القانونية والقضائية للمحاكمة.
8 ـــ ضرورة تطببيق النص القاضي بتعيين قاض منتدب واقتصار انعقاد الجلسة للمرافعة فقط: نصت المادة 456/1 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني الحالي منذ صدوره في العام 1983 على أنه «في اليوم التالي لانتهاء مهل تقديم اللوائح، يجب على رئيس القلم أو الكاتب أن يحيل الملف إلى رئيس المحكمة الذي ينتدب أحد قضاتها للاطلاع عليه لأجل استكماله عند الاقتضاء وتحضير القضية للمرافعة في مهلة يحددها له وتكون قابلة للتمديد عند الحاجة. ويعود لرئيس المحكمة أن يباشر هذا العمل بنفسه». وبالطبع إذا كانت المحاكمة جارية أمام القاضي المنفرد فيقوم هو بهذه المهمة. كذلك أعطت المادة/458/ للمحكمة الحق في أيّ حال وإذا وجدت ضرورة لإجراء تحقيق أن تنتدب أحد قضاتها للقيام به وفقاً لأحكام المادة/135/(راجع البندين 154/156 من كتابنا الوسيط في اصول المحامات المحاكمات المدنية جز 2 الطبعة السابعة الصادرة في مطلع العام 2018).
وقد أعطى القانون للقاضي المنتدب سلطات واسعة في استكمال نواقص الملف وتحضير القضية للمرافعة، بهدف أن لا تنعقد الجلسة إلاّ من أجل المرافعة فقط. دون حاجة لصدور اي قرار اعدادي من مثل تلك التي نصادفها في اكثر الملفات المدنية والتجارية. حتى ان القانون اللبناني استحدث قاعدة أجاز بموجبها للخصوم أن يقدموا تصريحاً خطياً مشتركاً يعلنون فيه اكتفاءهم بالمدافعات الخطية المبينة في لوائحهم (الشق الأول من الفقرة الأولى من المادة/462/ أ.م.م. الحالي) وإصدار الحكم بالاستناد إلى هذه المدافعات الخطية دون انعقاد أية جلسة.
وهنا اذكر ان قانون الاجراءات المدنية الاماراتي ادخل في العام 2014 تعديلاً على قانون الاجراءات المدنية هناك، وذلك باستحداث ما أسماه هناك مكتب إدارة الدعوى وأناط به مهمة تحضير الدعوى وادارتها، ويمكن تشبيه هذا المكتب بالقاضي المنتدب في لبنان المنشأ منذ العام 1983، والذي سبق القانون الاماراتي بحوالي ثلاثين سنة في النص على ذات المسألة، مع تعليق شخصي اسمح لنفسي فيه بان اضيف هنا وهو ان نظام القاضي المنتدب في لبنان هو افضل من مكتب ادارة الدعوى المعمول به في الامارات العربية المتحدة.
 وبنتيجة المقارنة بين البلدين أخلص الى القول هنا ان التطبيق كان سليماً للنصوص القانونية في الامارات العربية المتحدة، ذلك ان مكتب ادارة الدعوى المستحدث هناك في العام 2014 بدء بتطبيقه فوراً ، أي في العام 2014 ذاته الذي استحدث فيه هذا المكتب، وكنت لا أزال اعمل هناك كمستشار في محكمة النقض في أبوظبي وقد تسنى لي تطبيقه في كل الملفات التي عرضت علي بعد بدء سريان التعديل. أمّا في لبنان فبالرغم من صدور النص بشأن القاضي المنتدب  في العام 1983، اي منذ اكثر من ثلاثين سنة فان أحداً من المسؤولين لم يتذكره ولم يتساءل لماذا لم يطبق حتى الآن. وانا عندي الجواب واحتفظ  به لأجهر به أمام من يفكر بحل مشكلة الاختناق القضائي. وبالطبع ان المشكلة المحكى عنها تتضخم زيادة بسبب التراخي في تطبيق المهل القضائية.
9 ـــ انعقاد جلسات للمحاكمة لا فائدة منها والتراخي في تطبيق المهل القانونية والقضائية: لقد حدد قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني، كيفيية تقديم الدعوى المدنية والتجارية وعين مهلاً قضائية معقولة لفريقي الدعوى لممارسة حق الدفاع، كما عين مهلة معقولة لإصدار الحكم. وهذه الاصول وتلك المهل كما وردت في القانون اللبناني هي ذاتها تقريباً المعتمدة في قوانين اصول المحاكمات المدنية في مختلف الدول العصرية بما فيها دولة الامارات العربية المتحدة، ومن ثم سأعرض بالمختصر لكيفية تقديم الدعوى ومهلة ممارسة حق الدفاع أو المهلة المحددة لإصدار االحكم، لنتبين كم الفرق شاسع بين النصوص القانونية وبين تطبيق هذه النصوص، وهو ما يؤدي الى اتساع الفارق في المدة التي تستغرقها المحاكمة في لبنان بالمقارنة مع  ما يظهره الواقع في ابوظبي. وبالفعل:
يمكن أن يتم رفع النزاع أمام المحكمة إما باستحضار يوجه من المدعي إلى خصمه وإما بعريضة مشتركة من الخصوم. والطريقة الاكثر شيوعاً هي التقدم بالاستحضار، ويتوجب على المدعي أن يودع من الاستحضار عدداً من النسخ بقدر عدد المدعى عليهم ويرفق بكل نسخة صوراً عن المستندات يثبت بتوقيعه أنها مطابقة للأصل (المادة 446 أ.م.م. الحالي). وذلك حتى تبلغ الى خصمه ليتمكن من اعداد دفاعه.
وفور تسلم الاستحضار وقيده في السجل المخصوص، يتوجب على رئيس القلم أن يرسل نسخته مع المستندات المرفقة إلى الخصم أو الخصوم الآخرين، خلال مهلة أربع وعشرين ساعة على الأكثر تحت طائلة العقوبة التأديبية في حال التأخر بدون عذر مقبول (المادة 451 أ.م.م. الحالي).
ويجب على المدعى عليه في خلال خمسة عشر يوماً من تبلغه الاستحضار أن يقدم لائحة جوابية أولى يرد فيها على الدعوى ويرفق بها جميع المستندات المؤيدة لجوابه، ... (المادة449 أ.م.م. الحالي).
وللمدعي أن يجيب على لائحة المدعى عليه، في خلال عشرة أيام من تاريخ تبلغها، بلائحة جوابية أولى تبلغ أيضاً للمدعى عليه الذي يحق له أن يجيب عليها خلال مهلة مماثلة (المادة452 أ.م.م. الحالي).
«وفي اليوم التالي لانتهاء مهل تقديم اللوائح، يجب على رئيس القلم أو الكاتب أن يحيل الملف إلى رئيس المحكمة الذي ينتدب أحد قضاتها للاطلاع عليه لأجل استكماله عند الاقتضاء وتحضير القضية للمرافعة في مهلة يحددها له ...»،، ولكن ذكرنا ان التعامل القضائي لم يطبق اجمالاً النصوص المتعلقة بالقاضي المنتدب، بل تذهب المحاكم بعد انتهاء مهل التبادل الى تعيين جلسات يفترض ان تكون مخصصة للمرافعة، ( راجع البند 8 اعلاه)، «وبعد انتهاء المرافعات يقرر رئيس المحكمة اختتام المحاكمة ويعين موعداً لإصدار الحكم في مهلة لا تتجاوز ستة أسابيع» (الشق الأول من المادة/489/ أ.م.م. الحالي).
من خلال النصوص  المتقدمة يتضح ان تطبيق النصوص القانونية بشكل سليم من شأنه ان يفضي الى صدور حكم محكمة اول درجة خلال أشهر قليلة، بحيث إذا لجأ الخصوم او احدهم الى الطعن بهذا الحكم عن طريق الاستئناف وبعد ذلك عن طريق النقض، فلا بد ان تنتهي القضية ويصل صاحب الحق الى حقه في مدة معقولة يمكن ان تتراوح بين سنة وسنتين، وهذا ما كنا نلاحظه في تجربتنا في محكمة النقض في ابوظبي، في حين ان تجربتنا في لبنان تقودنا الى القول الى ان حكم محكمة الدرجة الاولى في لبنان لايصدر عادة قبل سنوات عديدة، ثم تتضاعف المدة في مرحلة الاستئناف وبعدها التمييز او النقض، بحيث تكون قيمة الحق المتنازع عليه قد تلاشت، وهذا بالرغم من ان النصوص بشأن كيفية تقديم الدعوى وبشأن مهل ممارسة حق الدفاع هي ذاتها في كل من لبنان ودولة الامارت العربية المتحدة. فما هو السبب في ذلك؟
10 ـــ الاسباب الحقيقة للاختناق القضائي وتأخير صدور الأحكام في لبنان: ان مهل تبادل اللوائح  وتعيين مواعيد الجلسات تعتبر من مهل المحاكمة غير الموضوعة تحت طائلة الاسقاط؛ بمعنى انه لا يترتب على انقضائها سقوط الحق بالتقدم باللائحة، ذلك انه يجوز للمحكمة تعديل تلك المهل زيادة أو نقصاناً، عملاً بالمادة/455/ أ.م.م. الحالي (راجع البند 3 اعلاه). والمبدأ هو ذاته في لبنان كما في الامارات العربية المتحدة وسائر الدول العصرية. ولكن رغم وحدة المبدأ هنا وهناك إلاّ ان تطبيق المبدأ يختلف جذرياً أمام محاكم لبنان عما هو عليه أمام محاكم دولة الامارات العربية المتحدة.  ذلك انه في البلد الأخير يتم احترام مهل تبادل اللوائح،  ولا تقبل المحكمة بتمديد المهلة ولو لايام محدودة إلاّ إذا «وجدت المحكمة مبرراً لذلك» وفقاً للعبارة الواردة بالمادة455 من القانون اللبناني. اما إذا لم تجد المحكمة اي مبرر لذلك سوى تلكؤ الخصم في تقديم جوابه  ضمن المهلة القانونية فكانت دوماً ترفض تمديد المهلة واعطاءه مهلة جديدة.
وهنا استطرد لأقول انه عندما قرأت قرار حضرة قاضي التحقيق الاول في جبل لبنان برفض تمديد مهلة تقديم مذكرة الدفوع الشكلية في قضية الاعلامي الشهير مارسيل غانم خُيّل إلي انني أقرأ قراراً صدر عن محاكم أبو ظبي  وليس عن محاكم لبنان التي اعتادت التراخي في تطبيق المهل القضائية، هذا التراخي الذي وصل الى حد نسيان تلك المهل وتالياً نسيان الحكمة التي حتمت تحديدها على الوجه الوارد في القانون، الحكمة التي توجب ايصال الحق لصاحبه في مدة معقولة يكون الحق لا زالت له قيمته وفعاليته. في حين ان التعامل القضائي ضرب صفحاً عن تطبيق النصوص القانونية وأوجد مهلاً قضائية للمحاكمة تفضي الى افراغ الحق المتنازع عليه من محتواه قبل صدور الحكم، وبالفعل:
11 ــــ التعامل القضائي في تطبيق مهل المحاكمة وانعقاد جلسات وصل الى حد تجاهل النصوص القانونية: ذكرنا سابقاً ان تطبيق النصوص القانونية بشكل جدي، بشأن تقديم الدعوى ومهل تقديم الجواب والغاية من انعقاد الجلسات، من شأنه ان يفضي الى صدور حكم محكمة اول درجة خلال أشهر قليلة، (راجع البند 9)
ولكن ذكرنا ان التعامل القضائي درج على تجاهل النصوص القانونية، وأوجد أصولاً مختلفة كلياً عما نص عليه القانون، ذلك ان أكثر المحاكم تلجأ،  بعد انتهاء مهل التبادل،  الى تعيين جلسة للمحاكمة دون ان يكون الخصوم تقدموا بلوائحهم  الجوابية ومستنداتهم، بالرغم من ان القانون اوجب اكتمال تبادل اللوائح وتقديم المستندات المؤيدة لاقوال الخصوم خلال  مدة قصيرة قد لا تتجاوز الشهرين بحيث تُخصص الجلسة بعد ذلك للمرافعة. ولكن بسبب التعامل القضائي سالف الذكر الذي ادى الى تراكم الدعاوى واكتظاظ جداول الجلسات، درجت المحاكم على تعيين جلسة للمحاكمة بعد اكثر من عدة أشهر، دون ان يكون هناك اية فائدة من انعقاد تلك الجلسة سوى اطالة غير مبررة لامد المحاكمة، وتضييع وقت قضاة المحكمة بعمل لا فائدة منه؛ ولكن الادهى من ذلك انه في أكثر الاحيان يأتي المدعى عليه لحضور الجلسة غير مزود باي جواب وبدون محامٍ أحياناً، ويطلب في الجلسة مهلة لتوكيل محامٍ والجواب، فتأجل المحكمة الجلسة لعدة اشهر اخرى  يحضر بعدها المحامي الوكيل ويبرز وكالة منظمة له من المدعى عليه احياناً  في اليوم السابق للجلسة، مما يدفع المحامي الوكيل لان يطلب مهلة جديدة لتقديم لائحة بدفاعه عن المدعى عليه، فتمهله المحكمة لتقديم جوابه خلال ايام معدودة وتعين الجلسة بعد عدة اشهر؛ وإذا لم  يتقدم المدعى عليه ووكيله بالجواب خلال المهلة بل جاء يقدمها خلال الجلسة فان المحكمة تقبلها، مما يضطر الخصم ــــ اي المدعي او وكيله ــــ الى طلب مهلة للجواب على لائحة المدعى عليه، فتمهله المحكمة لتقديم الجواب خلال عشرة ايام على ان تنعقد الجلسة القادمة بعد ستة اشهر أو اكثر احيانا. ومن ثم اذا لم يقدم المدعي جوابه خلال العشرة ايام بل ارجأ تقديمها الى وقت انعقاد الجلسة فلا بد ان يأتي المدعى عليه او وكيله ويطلب مهلة جديدة للجواب. ومن ثم تكر سبحة تبادل اللوائح خلال الجلسات، بحيث تمر احياناً عدة سنوات و لازال الخصوم في مرحلة تبادل اللوائح خلال جلسات تعقدها المحكمة المدنية او التجارية دون ان يحقق انعقاد تلك الجلسات اية فائدة للقضية، هذا بالرغم من اان النصوص القانونية صريحة في وجوب اكتمال تبادل اللوائح خلال مهل لا تتعدى الشهرين.
ويضاف الى التراخي في تطبيق النصوص المتعلقة بتقديم اللوائح الجوابية، تضخيم الملف احياناً من خلال قرارات اعدادية تصدر في كثير من الاحيان قبل صدور الحكم المنهي للخصومة وفقاً لما صار بيانه اعلاه ( راجع البند 7) .
في حين انه لو طبقت النصوص بشكل جدي لكان اكتمل تبادل لوائح الخصوم خلال شهور قليلة، ومن ثم إذا طبقت المحكمة النص القانوني القاضي بتحديد موعد اصدار الحكم خلال شهرين من جلسة المحاكمة الاخيرة، فعندها يمكن ان يصدر حكم محكمة اول درجة خلال اقل من سنة، وهذا ما أكدته لنا تجربتنا في محكمة النقض في ابو ظبي.
ومن ثم نخلص الى ان قرار قاضي التحقيق الاول في جبل لبنان في  جلسة 18/12/2017 برفض تمديد مهلة تقديم مذكرة الدفوع الشكلية، لا غبار عليه من الناحية القانونية وفقاً لما ورد في بيان مجلس القضاء الاعلى بشأن ذات القرار. من هنا لا بد من التساؤل عن سبب ردة فعل وسائل الاعلام  وعموم الناس على ذلك القرار رغم قانونيته، الامر الذي دفع قاضي التحقيق الاول بعد ذلك لان يرفع  مذكرة الإحضار التي سبق له ان اصدرها بعد رفض تمديد مهلة تقديم مذكرة الدفوع الشكلية، وتبعاً لذلك عاد ذات القاضي ومدد مهلة تقديم المذكرة ومن ثم قرر قبولها رغم انه سبق له ان رفضها.
12 ــــ التعامل القضائي مع النصوص القانونية بشان اصول المحاكمة هو الذي جعل الراي العام يعتقد بان تطبيق النص هو الخطأ والشواذ، وان اهمال النص هو الصواب:  إذا كان لنا من ملاحظة على التسلسل في قرارات قاضي التحقيق الاول السالفة الذكر،  فيمكن ان نقول ان الصح والصواب هو القرار الاول برفض تمديد مهلة منحها القاضي لخصم معين في الدعوى؛ ولكن هذا الصواب أضحى بمثابة الخطأ في ظل آلاف محاضر ضبط المحاكمة، وبالأخص المدنية والتجارية، والتي يتبين منها تكرار الامهال لذات العمل احيانا وبدون ان يكون هناك مبرر شرعي جدي سوى محاولة احد الخصوم تاخير الفصل بالدعوى.
وهذا التعامل الذي اعتاده االوكلاء واصحاب العلاقة، والمتمثل بعدم احترام المهل القانونية  والقضائية للمحاكمة هو اهم سبب من اسباب التأخير في فصل الدعاوى المدنية والتجارية على وجه الخصوص. واكتفي هنا بمثال وحيد عن التراخي في احترام المهل القانونية والمهل القضائية. والمثال هو التالي:
ذكرنا سابقاً المهل القانونية للمحاكمة والتي يفترض ان ينتهي فيها الخصوم من تقديم وسائل دفاعهم ومستنداتهم، وانه يفترض ان تنعقد بعد ذلك جلسة للمرافعة تختتم فيها المحاكمة بحيث تعين المحكمة موعد اصدار الحكم خلال مهلة لا تتجاوز الشهرين من جلسة المرافعة، بشكل ان لا يستغرق كل ذلك اشهر قليلة (راجع البند 9 )، وهذا يعني ان المشترع حدد مهلاً لممارسة حق الدفاع محسوبة بالايام اعتبرها كافية ليقدم كل من الخصوم دفاعه، مما يفسح في المجال لان يصدر الحكم خلال فترة معقولة. ولكن ذكرنا ان التعامل القضائي ضرب صفحاً عن تطبيق تلك المهل، وأحل محلها مهلاً  تتجاوز كل حد معقول (راجع البند 11)
ان المبرر الذي يدفع المحاكم في لبنان الى التراخي في تطببيق مهل تقديم اللوائح او تضخيم الملف بالقرارات الاعدادية يُبَرّر في اكثر الاحيان بتأمين حق الدفاع واجراء مزيد من التحقيقات جلاء للحقيقة. فهل هذا يعتبر مبرراً كافياً لتاخير الفصل في الدعاوى على الوجه الذي اصبح معروفاً من جميع المسؤولين ورجال القانون وحتى من المتقاضين، هذا التأخير الذي بات يوازي عدم تحقيق الغاية من التقاضي والمتمثل بايصال الحق الى صاحبه وذلك بتأخير صدور الحكم الى وقت يكون الحق المحكوم به قد فقد قيمته وفعاليته؟
من هنا لا بد للمراقب العادي ان يتساءل: لماذا هاجس حق الدفاع لا يؤدي  في محاكم البلاد الاخرى الى تأخير الفصل بالدعاوى؟
13 ــــ حق الدفاع كفله القانون، ومن ثم لا يمكن تعطيل العدالة بتعطيل النص القانوني بحجة حق الدفاع: من خلال التجربة التي عايشت فيها محاكم ابو ظبي والتي يشهد عليها اعلام من رجال القضاء في لبنان ذكرتهم سابقاً وهم: الرئيس وليد غمرة والرئيس طارق زيادة والرئيس محمد عويضة اضافة الى الرئيس احمد المعلم الرئيس الاسبق لمحكمة التمييز الجزائية في لبنان، يمكنني القول اننا كنا نلاحظ في الملفات التي تعرض علينا في محاكم ابوظبي ان مهل الجواب وتحضير القضية للمرافعة كانت تحترم بدقة من الخصوم ووكلائهم، وان الملف قلّما يتضمن قرارات اعدادية، وهذا لا بد ان يدفع قارئ هذه الاسطر الى التساؤل، عن السبب في ذلك، وما سر الاختلاف بين محاكمنا ومحاكم غيرنا من الدول، الا يراعي قضاة تلك الدول حق الدفاع؟
والجواب هنا بسيط جداً، وهو: ان ادارة قطاع العدالة في الدولة هناك ولدت اقتناعاً لدى المتقاضين ووكلائهم وكذلك لدى القضاة ان النصوص القانونية بشأن مكتب ادارة الدعوى وبشأن مهل المحاكمة وضعت لكي تحترم، وان من يتخلف من الخصوم أو الوكلاء عن تقديم دفاعه ضمن المهلة التي عينها القانون يتحمل هو مسؤولية ذلك، ومن ثم لا تُلام المحكمة إذا طبقت النص القانوني الذي عين مهلة عينها القانون لاي عمل من اعمال  المحكمة. وأضيف هنا ان تجربتي في لبنان او في ابو ظبي  تدفعني الى القول بان سلوك المتقاضين والخصوم أو وكلاءهم يتحدد وفق التعامل الذي درجت عليه المحكمة، فمتى كانت المحكمة تتشدد في تطبيق المهل نجد الجميع يسارع الى التقيد بالمهلة، والعكس بالعكس. وفي ابو ظبي كان التعامل الذي تعتمده جميع المحاكم هناك هو وجوب التقيد بالمهل، بحيث لم تكن اية محكمة هناك تتناسي مهل المحاكمة المحددة في القانون بذريعة حق الدفاع، بمعنى انه اذا لم يتقدم احد الخصوم بدفاعه خلال المهلة التي حددها القانون فهو يتحمل المسؤولية، وليس القاضي الذي رفض تمديد المهلة ما لم يكن هناك مبرر جدي وحقيقي لعدم تقديم دفاعه خلال المهلة القانونية.
 وتبعاً لذلك وبكلمة مختصرة وبسيطة جداً يمكن القول ان من يتقاعس عن تقديم دفاعه هو الذي يكون قصّر بممارسة حق الدفاع، ولان المحاكم في ابوظبي ولدت اقتناعاً لدى المحامين الوكلاء والمتقاضين بان المهل القانونية للمحاكمة يجب ان تحترم وان من لا يحترمها يتحمل وحده مالسؤولية وجدنا ان قطاع العدالة هناك يسير بشكل سليم ومنتظم، وان الفترة التي تستغرقها المحاكمة متقاربة بين اكثر المحاكم، في حين هنا يقول المحامي الوكيل دوماً لموكله ان حظك في صدور الحكم ضمن فترة معقولة يتوقف على من تكون هيئة المحكمة التي ستنظر بالدعوى.
من هنا نخلص الى القول ان المطلوب في قطاع العدالة في لبنان تغيير جذري في التعامل مع النصوص القانونية من خلال التشدد في تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بالقاضي المنتدب وبمهل المحاكمة، مثلاً عندما يكون القانون حدد مهلة الجواب للمدعى عليه بخمسة عشر يوماً وياتي للجلسة بعد عدة اشهر او بعد أكثر من سنة احياناً من تبليغه ويطلب مهلة جديدة لتوكيل محام وللجواب، فلا ضير على العدالة لو رفضت المحكمة امهاله وفصل الملف بحالته، إذ ان مثل هذا المنهج في التعامل القضائي هو الذي من شانه ان يولد الاقتناع لدى المتقاضين ووكلائهم بان النصوص القانونية وضعت لتحترم، وعندها سنجد ان المتقاضي لن يتأخر ابدأ عن ممارسة حقه بالدفاع ضمن المهل القانونية، على غرار ما عايشنا فيها العدالة في ابوظبي،  ان هذا المنهج الجديد في تطبيق المهل وفي التعامل القضائي لا بد من التحضير له والتنسيق بشأنه بين المسؤولين عن الإدارة القضائية وبين نقابتي المحامين في لبنان، وتبعاً لما سبق ان ذكرت اتمنى لو ان القرار الذي صدر برفض تمديد مهلة مذكرة الدفوع الشكلية  في قضية الاعلامي الشهير مرسال غانم يصبح بداية للتغيير المطلوب بالاتجاه القانوني الصحيح، رغم ان هذا القرار صدر في قضية  لم يكن لها أي اساس قانوني سليم. كما سيظهر من المآل الذي ستؤول اليه تلك القضية.   
 وانهي هذه المقالة بالقول للمسؤولين عن قطاع العدالة في لبنان تفضلوا واسألوا بشأن ما ورد في هذه المقالة، عن التقيد بمهل المحاكمة وممارسة حق الدفاع وسرعة البت بالدعاوى أمام محاكم ابو ظبي، الزملاء الاعلام في القضاء اللبناني الذين ذكرتهم بالاسم.
اذا كنا نريد عدالة مكتملة في لبنان توحي للمستثمر بالطمأنينة  بشكل يدفعه لان يأتي ويستثمر في لبنان لا بد هذا التغيير الجذري في قطاع العدالة،  والذي يقتصر على تطبيق النصوص القانونية بشأن القاضي المنتدب وبشأن مهل الجواب، مع مراقبة من التفتيش القضائي على مدى جدية وضرورة القرارات الاعدادية التي تصدر في الملف، وبغير ذلكّ نرى ان التأخير في فصل الدعاوى لمدة تتجاوز العقد من الزمن هو بمثابة اللاعدالة، ومن ثم سيوصل لبنان الى مراتب متدنية في قطاع العدالة رغم تفوق قضاته نسبة لاقرانهم في العالم المحيط بنا.
وللحديث عن العدالة في لبنان تتتمة.
 
فهرس
مقدمة

1 ـــ حصر المقالة بالجانب القانوني دون الجانب السياسي *  2ـــ وقائع القضية التي سبقت اصدار القرار برفض تمديد المهلة والمشكلة القانونية التي يطرحها هذا القرار* 3 ـــــ الجواب نجده في النصوص القانونية* 4 ــــ مشكلة الاختناق القضائي والتأخير في فصل الدعاوى في لبنان، بالمقارنـــــة مع دول اخرى* 5 ــــ عدم جدوى الحل الذي كانت تلجأ اليه السلطة لمعالجة مشكلة الاختناق القضائي والتأخير في فصل الدعاوى في لبنان، وذلك عن طريق تعديل او استحداث قواعد جديدة في المحاكمة، في حين ان المعالجة تكون بتطبيق النصوص السارية المفعول * 6 ــــ النقص ليس في النصوص القانونية بل في التطبيق ــــ مقارنة بين القانون اللبناني وبين القانون الاماراتي: *7 ـــ تضخيم الملف بالقرارات الاعدادية * 8 ـــ ضرورة تطببيق النص القاضي بتعيين قاض منتدب واقتصار انعقاد الجلسة للمرافعة فقط * 9 ـــ انعقاد جلسات للمحاكمة لا فائدة منها والتراخي في تطبيق المهل القانونية والقضائية * 10 ـــ الاسباب الحقيقة للاختناق القضائي وتأخير صدور الأحكام في لبنان * 11 ــــ التعامل القضائي في تطبيق مهل المحاكمة وانعقاد جلسات وصل الى حد تجاهل النصوص القانونية * 12 ــــ التعامل القضائي مع النصوص القانونية بشان اصول المحاكمة هو الذي جعل الراي العام يعتقد بان تطبيق النص هو الخطأ والشواذ، وان اهمال النص هو الصواب* 13 ــــ حق الدفاع كفله القانون، ومن ثم لا يمكن تعطيل العدالة بتعطيل النص القانوني بحجة حق الدفاع.

للاطلاع على الحديث كما هو منشور في مجلة رابطة قدامى القضاة  اضغط هنا