Professor Dr Helmi Al Hajjar, Attorney at law
- Litigation, legal consultation and arbitration.
- Legal advice and services in the field of real estate, financial, commercial civil and administrative contracts and in the preparation of case memorandums for submission to the court of cassation under both Lebanese and UAE laws.
- Over 25 years of experience as a practicing lawyer through his own firm in Beirut, Lebanon in addition to his experience as a judge in Lebanon for 17 years and a judge in the commercial chamber in the court of cassation in Abu Dhabi.
- Professor at the higher institute of Legal studies at the faculty of law and political and administrative sciences at the Lebanese University in Beirut.
- Registered arbitrator at the Abu Dhabi Commercial Conciliation and Arbitration Center
Address: Hamra Street, Rasamny Center, 3rd  floor, Beirut, Lebanon.
Mobile: + 961 3 788848, Landline: +961 1 788889
Email: hajjar.legal@gmail.com, emihajja43@gmail.com         

Back

محاماة واستشارات قانونية

أبحاث ومقالات

قراءة بين سطور تقرير برامرتس الأخير بموضوع التحقيق في الجريمة النكراء الذي ذهب ضحيتها الرئيس الشهيد رفيق الحريري - سياسية وعامّة

الدكتور حلمي محمد الحجار
01/11/2006  //  جريدة اللواء


في منتصف آذار من العام 2006 قدم برامرتس تقريره الأول ثم في الأسبوع الثاني من حزيران قدم تقريره الثاني، وأخيراً وليس آخراً قدم تقريره الثالث في 25 أيلول، وهو التقرير الذي نشرته النهار في عددها رقم /22786/ تاريخ 26/9/2006،
ان التقارير الثلاثة التي قدمها برامرتس هي مبدئياً تقارير اجرائية، وقد قدمت بالاستناد إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم /1644/ الذي طلب فيه من لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، وهي برئاسة برامرتس، أن ترفع تقريراً كل ثلاثة أشهر إلى مجلس الأمن حول سير التحقيق بما في ذلك التعاون من السلطات السورية.
ولكن رغم الصفة الاجرائية للتقارير الثلاثة إلا انها تضمنت بعض الاشارات إلى الأمور المتعلقة بأساس التحقيق، وهذا أمر طبيعي لأن الاجراءات التي قامت بها اللجنة تتعلق بالتحقيق في الجريمة النكراء التي ذهب ضحيتها الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الأبرار.
ونتناول هنا بالتعليق بعض ما ورد في تقرير برامرتس الأخير وما يمكن أن يستشف منه بالنسبة للأمور المتعلقة بأساس التحقيق.
لا بدّ أولاً من ابداء ثلاث ملاحظات حول ما ورد في التقرير بمجمله:
الملاحظة الأولى: الحفاظ على سرية التحقيق
حرص التقرير، على غرار التقارير السابقة، بالحفاظ على السرية التي يقتضيها أي تحقيق جنائي، وبالفعل أشار التقرير في البند الحادي عشر منه إلى ان اللجنة « كما في تقريرها السابق تقدم  لمحة سريعة عن عملها الجاري في مختلف ميادين القضية، مع أكبر قدر ممكن من التفاصيل وهي تضع نصب أعينها الحاجة الكامنة إلى الحفاظ على السرية وخيوط التحقيق»، فسلامة التحقيق وسلامة المعنيين به والشهود تفرض دوماً الحفاظ على السرية، خلافاً لمبدأ الوجاهية المفروض احترامه في مرحلة المحاكمة أمام محاكم الأساس
وتبعاً لذلك أشار التقرير إلى ان اللجنة كانت حريصة عدم وضع المعلومات بتصرف السلطات اللبنانية في كل مرة كانت تلك المعلومات تتعارض مع سرية التحقيق، وبالفعل ورد في البند /72/ من التقرير ما يلي:
« واصلت اللجنة مشاركة السلطات اللبنانية في كل المعلومات التوثيقية ذات الصلة وتلك المتعلقة بالشهادات ... باستثناء تلك المعلومات التي يمكن أن تعرض للخطر شاهد أو الأمن القومي للدولة، وحتى في مثل هذه الحالات، فإن محتوى المعلومات يجري امراره إلى السلطات اللبنانية بطريقة لا تعرض للخطر الشهود أو الدولة».
الملاحظة الثانية: تعاون السلطات السورية مع اللجنة:
أشار التقرير الحالي، كما التقرير السابق، إلى ان تعاون السلطات السورية مع اللجنة كان كاملاً، وبالفعل ورد في التقرير تحت البند /78/ ما يلي:
« ان الجمهورية العربية السورية مطلوب منها التعاون الكامل مع اللجنة، وفق ما هو وارد في التفويض الذي تنص عليه قرارات مجلس الأمن 1595/2005 و 636/2005 و 644/2005 المتبناة بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ووفقاً للتفاهم المشترك الذي تم التوصل إليه بين اللجنة وسوريا في وقت سابق من هذه السنة، فإن تعاون سوريا مع اللجنة استمر قائماً في الوقت المناسب وبفعالية».
ثم أورد التقرير في البنود 79/80/81 الطلبات المتعلقة بالتحقيق التي طلبتها اللجنة من سوريا مثبتاً تجاوب سوريا مع تلك الطلبات وبينها « اجراء مقابلات» من ضمنها « مقابلة المسؤولين في الحكومة السورية» وأشار التقرير في هذا السياق إلى ان« المقابلات رتّبت بواسطة السلطات السورية وفقاً لطلبات اللجنة، وان اللجنة راضية عن السرعة والترتيبات اللوجستية لهذه المقابلات».
ولكن رغم هذه الإشارات الايجابية إلى تعاون السلطات السورية مع اللجنة يبدو ان هناك اشارتين سلبيتين عن مدى التعاون:
الاشارة الأولى: ضرورة توثيق المقابلات التي تجريها اللجنة مع المسؤولين السوريين، وبالفعل ورد في البند /81/ من التقرير، وبعد الإشارة إلى ان اللجنة كانت راضية عن السرعة والترتيبات اللوجستية للمقابلات، إلى ان اللجنة « ترى من الضروري اجراء مقابلات موثقة»
وبالطبع هذا أمر طبيعي لأن رد فعل المستجوب أو المستمع على السؤال الذي يوجه إليه في التحقيق وكذلك الكيفية التي يجيب فيها وطريقة تركيز نظره ومدى تردده أو جزمه أو ادعائه الجهل أو النسيان كلها تفيد في التحقيق، وهي لا تظهر في المحضر الخطي بل تظهر في الصوت والصورة بشكل أوضح، ولعل هذا ما عبر عنه الامام علي عندما قال: « ما أخفى أحد أمراً إلاّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه».
ويبدو ان هذا ما قصدته اللجنة حول ضرورة توثيق المقابلات التي تجريها مع المسؤولين السوريين عندما أوردت في التقرير كمبرر لضرورة التوثيق ما يلي: « ان هذه الناحية من التعاون ( أي ضرورة توثيق المقابلات) تمليها ردود كل كل شخص أجريت مقابلة معه في شأن موضوع من المواضيع الأساسية».
الاشارة الثانية: تفاوت التعاون من المسؤولين السوريين
 رغم الاشارات الايجابية في التقرير حول تعاون السلطات السورية مع اللجنة، إلا ان التقرير أشار إلى ان هذا التعاون لم يكن بذات المستوى والمدى من جميع من قابلتهم، وبالفعل أورد التقرير في نهاية البند /81/ إلى ان « مستوى التعاون كان متفاوتاً»، وهذه اشارة سلبية قد تظهر نتائجها في التقرير النهائي إذا استمر ذلك في المراحل القادمة من عمل اللجنة.
الملاحظة الثالثة: المساعدات التقنية من اللجنة إلى السلطات اللبنانية في الاغتيالات والتفجيرات الأربعة عشر التي حصلت في لبنان منذ محاولة اغتيال الشهيد الحي مروان حماده ولغاية عملية التفجير التي أودت بحياة الشهيد جبران تويني:
أورد التقرير في هذا السياق المساعدات التقنية التي قدمتها اللجنة إلى السلطات اللبنانية في هذا المجال، وبالفعل ورد في البند /57/ من التقرير ما يلي:
« تماشياً مع تفويضها الموسع بحسب قرار مجلس الأمن /1686/ تاريخ 15 حزيران 2006، وسّعت اللجنة مساعدتها التقنية إلى السلطات اللبنانية في القضايا الـ /14/ التي أوردتها في تقريرها الأخير. خصصت فريقاً متعدد الاختصاص لهذه الغاية يتضمن خبراء قانونيين وتحليليين وجنائيين وفي مجالي التحقيق والاتصالات، وما زال هذا الفريق يعمل عن كثب مع المدعي العام اللبناني».
ثم عدد التقرير في البنود /58/ إلى /66/ نوع المساعدات التقنية التي قدمتها اللجنة في هذا المجال وخلص في البند /67/ إلى نتيجة هامة هي التالية:
« تأكدت اللجنة من استنتاجها الأول إلى ان القضايا الـ /14/ لم يأمر بارتكابها وينفذها /14/ شخصاً أو مجموعة منفصلة ولا صلة بينها، وان ليس هناك وراءها /14/ دافعاً مختلفاً، وهي في صدد تطوير أدلة تربط القضايا بمجموعات متمايزة. بناءً عليه، تتوقع اللجنة بروز روابط اضافية بين القضايا عند جمع المزيد من المعلومات والأدلة».
بعد هذه الملاحظات التمهيدية ننتاول بالتعليق بعض ما ورد في التقرير حول ما يستشف منه حول أساس التحقيق، وما يرشح منه من أدلة كوسائل اثبات لكشف الحقيقة، أي حقيقة من حرض أو نفذ أو اشترك أو تدخل في الجريمة النكراء التي ذهب ضحيتها الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الأبرار.
ان الحقيقة التي تحاول اللجنة الوصول إليها هي ما يعرف بلغة القانون بالحقيقة القضائية، وهي الحقيقة التي تظهر من الملف الموجود بين يدي القاضي، وتقوم الحقيقة القضائية على أدلة يقبل القانون اعتمادها كوسائل اثبات على قيام تصرف قانوني أو واقعة مادية.
في الأنظمة التي تعتمد نظام الاثبات المختلط، تتدرج وسائل الاثبات بين القضايا المدنية والتجارية والجزائية، من اثبات مقيد مبدئياً في القضايا المدنية مع بعض الاستثناءات، إلى نظام اثبات حر في القضايا التجارية مع بعض الاستثناءات، إلى نظام اثبات حر في القضايا الجزائية.
وبالفعل في القضايا المدنية، وفي ظل نظام اثبات مقيد، أراح القانون ضمير القاضي بأن حصر في حالات كثيرة مجال الاثبات بالبينة الخطية أو ما يقوم مقامها.
ولكن في مجال الحقوق الجزائية فان الافعال الجرمية تتكون دائماً من وقائع مادية لا تتوفر بينات خطية لاثباتها، من هنا يكون اثباتها بالشهود والقرائن القضائية مقبولاً، فكيف يريح القاضي الجزائي ضميره على ضوء أقوال شهود يمكن أن تكون هناك غرضية من شهادتهم، أو على ضوء قرائن قضائية يمكن أن تبنى على مجرد استنتاجات من خلال ربط وقائع غير معلومة بوقائع معروفة؟
إذا كانت البينة الخطية هي الوسيلة الفضلى للاثبات في الحقوق المدنية، فإنه في مجال الحقوق الجزائية تبقى الجوامد هي وحدها التي لا تكذب بالمقارنة مع الانسان الشاهد الذي يمكن أن يداخل الكذب شهادته.
من هنا أهمية التحقيق في القضايا الجزائية من خلال الجوامد التي لا تكذب، وهي المعروفة بلغة القانون بالأدلة الجنائية، فهذه الأدلة هي التي تؤكد أو تنفي مصداقية ما ورد في أقوال الشهود أو المتهم والظنين.
ويظهر من خلال تقرير برامرتس ان لجنة التحقيق توصلت في تقريرها، حتى الآن، إلى سيل من الأدلة ووسائل الاثبات المسنده إلى أقوال شهود أو مشتبه بهم ( القسم الأول) مدعمة بأدلة ووسائل اثبات توصلت إليها من خلال الجوامد ( القسم الثاني).

 

القسم الأول: وسائل الاثبات المسندة إلى أقوال الشهود والمشتبه بهم
الشاهد هو مبدئياً شخص وضعته الصدفة أمام حادث معين لا علاقة له به، فإذا نشأ نزاع بنتيجة الحادث فقد تكون المعلومات التي يملكها هذا الشخص مفيدة لفصل النزاع من قبل المحكمة، وبالتالي فإن الشاهد هو شخص غريب عن الدعوى والمتداعين وإنما الصدفة هي التي أشركته بالدعوى من أجل الإدلاء بالمعلومات التي يملكها حول العناصر الواقعية المتنازع حولها(1).
والأصل في الشهادة أن تكون مباشرة، بمعنى أن يشهد الشاهد بما رآه أو سمعه مباشرة، أي أن العناصر الواقعية التي يشهد عليها اتصلت مباشرة بحواسه ـ السمع أو البصر ـ ولكن يحصل أن تتصل المعلومات بهذا الشخص، ليس عن طريق رؤيتها أو سماعها مباشرة بل عن طريق الغير، فهل يقبل هذا النوع الأخير من الشهادة؟
إن الجواب على السؤال المتقدم يستوجب التفريق بين الشهادة غير المباشرة (témoignage indirect)، والشهادة المبنية على الخبر الشائع(commune renommée). فالشهادة غير المباشرة تشترك مع الشهادة المباشرة في كونها تنصب على واقعة معينة إلا أنها تختلف عنها في أن الشاهد رأى هذه الواقعة أو سمعها بنفسه في الشهادة المباشرة في حين أنه سمعها من غيره، من شخص محدد، في الشهادة غير المباشرة. وهذه الشهادة جائزة ومقبولة قانوناً كالشهادة المباشرة وخاضعة مثل هذه الأخيرة لتقدير محكمة الأساس (2).
أما الشهادة المبنية على الخبر الشائع، فإنها تشترك مع الشهادة غير المباشرة في أن الشاهد لم يسمع ولم يرَ الواقعة التي يشهد عليها بنفسه، إلا أنها تختلف عنها في أن الشاهد يستمد معلوماته، ليس من شخص محدد رأى أو سمع الواقعة، بل من الخبر الشائع بين الجمهور عن هذه الواقعة. فالشاهد، في الشهادة المبنية على الخبر الشائع، يشهد بما يُشاع عن الواقعة بين الناس ولا يتحمل بالتالي أية مسؤولية شخصية عما يشهد به. وتبعاً لذلك فإن هذه الشهادة لا يمكن مبدئياً الركون إليها، ولا يجوز بالتالي قبولها إلا في الأحوال التي ينص عليها القانون (3).
وإذا كانت الشهادة لا تقبل، في ظل نظام الإثبات المقيد، إلا في حالات معينة في المواد الحقوقية، فإنها تبقى من بين أهم وسائل الإثبات في المواد الجزائية.
وبالفعل ان قانون اصول المحاكمات المدنية اللبناني حدد الحالات التي يجوز فيها الإثبات بالشهود وأصول سماع الشهود والقوة الثبوتية للشـــهادة(4)،  كما ان قانون أصول المحاكمات
الجزائية اللبناني الحالي نص على أصول سماع الشهود أمـام قاضي التحقيق (5)، وأمام القاضي
المنفرد (6)، وأمام محكمة الجنايات (7)
ويمكن لقاضي التحقيق بعد أن يستجوب الشخص كشاهد، وإذا ما توفرت شبهة عليه، أن يعود ويستجوبه كمدعى عليه.
ويبدو من تقرير برامرتس أن هناك أشخاصاً كثيرين تم الاستماع إليهم كشهود أو حتى كمشتبه بهم منذ ما قبل مباشرة برامرتس لمهمته. كما يبدو ان بعض أقول الشهود كانت بمثابة شهادة مباشرة عما سمعه أو رآه الشاهد شخصياً، كما ان البعض الآخر من الشهادات كان بمثابة شهادة غير مباشرة، أي أن الشاهد لم يشهد بما رآه أو سمعه مباشرة بل شهد بما سمعه من أشخاص محددين.
وبالفعل ورد في البند الثالث من تقرير برامرتس أنه في « تحقيق الحريري هناك عشرون مشروعاً وموضوع تحقيق وتحليل... وهي تشمل ... مقابلات مع شهود أساسيين ومصادر حساسة...».
كما ورد في البند /50/ ما يلي:
« تتعقب اللجنة خيوطاً تتعلق بأفراد كانت لديهم على ما يبدو درجة من المعلومات المهمة وبدرجات مختلفة من التفصيل، حول الهجوم قبل تنفيذه. تشمل هذه الناحية من التحقيق فئتين: الفئة الأولى تشمل أشخاصاً كانوا يعرفون شيئاً عن الهجوم في سياق ما، ولكنهم لم يقولوا أو يفعلوا شيئاً، أو لم يكونوا قادرين على فعل شيء، والفئة الثانية تشمل أشخاصاً كانوا يعرفون شيئاً أو اطلعوا على ناحية وحاولوا أن ينقلوا، بطريقة ما، تحذيراً إلى الحريري أو إلى شخص مقرب منه».
ويضيف التقرير في البند /51/ ما يلي:
« الفئتان أعلاه مهمتان بالنسبة إلى اللجنة على سبيل المثال، يبدو أن عدداً من الأشخاص من خلفيات مختلفة كانوا يعتبرون ان الحريري يمكن أن يتعرض لهجوم، لأسباب تتجاوز السياق العادي لمكانته وحياته المهنية السابقة... وهناك أيضاً معلومات تدفع اللجنة إلى الاعتقاد ان بعض الأشخاص كانوا على علم بالتحضير لمحاولة وشيكه لاغتياله. وتجري اللجنة في هذا الإطار سلسلة مقابلات مع الأشخاص الذين تعتبر انهم يستطيعون المساعدة في هذا التحقيق».
ويلمح التحقيق إلى ان اللجنة استمعت إلى بعض الأشخاص الذين سمعوا من المرحوم الشهيد رفيق الحريري نفسه انه مهدد، فكانت شهادة هذه الفئة من الشهود تنطبق على نوع الشهادة غير المباشرة كما عرفت أعلاه.
وبالفعل أورد البند /52/ من التقرير ما يلي: « هناك أدلة تدعو إلى الاعتقاد ان الحريري كان يدرك وجود تهديد قوي ضده، وانه ناقش هذا الأمر بنفسه مطولاً مع عدد من الأشخاص وأخذ أجواء هذا التهديد في الحسبان في تفكيره ونشاطاته وتنقلاته في الأسابيع الأخيرة من حياته».
بالطبع ان التقرير، وباعتباره تقريراً اجرائياً، لم يذكر أسماء الشهود ومضمون شهادتهم؛ ولكن البعض من هؤلاء الشهود وما ورد في شهاداتهم أصبح معروفاً بالنسبة لمن يتتبع الأحداث.
ويبقى بالطبع التساؤل عن القوة الثبوتية لأقوال الشهود في مثل التحقيق الجاري ومن بعده أمام المحكمة العتيدة ذات الطابع الدولي.
من المقرر قانوناً أنه عندما يكون الاثبات بالشهود جائزاً، وبعد ان يستمع القاضي إلى الشهود، فتبقى للقاضي سلطة مطلقة في تقدير قيمة الشهادة (8) بمعنى ان القاضـــي يستقل في تقدير شهادات الشهود وتقييمها فيقتنع بها أو يردها دون أن يكون ملزماً بتعليل اقتناعه أو عدم اقتناعه ودون أن يخضع في ذلك لرقابة محكمة النقض(9)
    ولا شك في ان اقتناع أوعدم اقتناع القاضي بأقوال الشاهد لا يتأتى من العبث، بل هو يتوقف على مدى ما يبعثه الشاهد في نفس القاضي من الثقة والأمانة والصدق في أقواله. وهذه الثقة أو عدمها يمكن أن تتولد من طريقة أداء الشاهد للشهادة، تردده أو جزمه بالأمور التي يشهد عليها، من الاختلاف بين شهادة كل من الشهود، من قيمة العناصر الواقعية التي سردها وتاريخ حصولها وموضوعها وعامل الزمن الذي مر بين تاريخ حصول الواقعة وتاريخ إداء الشهادة، من نفسية الشاهد عندما تحيط بها المحكمة، من تتطابق الشهادة أو عدم تطابقها مع ما تنطق به الجوامد أي الادلة الجنائية المتوفرة
    ولعل هذا ما يوضح بشكل جلي ما ورد في التقرير من انه « من الضروري» توثيق المقابلات مع المسؤولين السوريين، لأن هذا التوثيق هو الذي يظهر طريقة ادلاء الشاهد بشهادته تردده أو جزمه بالأمور التي يشهد عليها، وحتى ملامح وجهه وردة فعله على السؤال الذي يوجه إليه.
    بالطبع يبقى دوماً هناك امكانية للتشكيك بصدقية الشاهد، من هنا تأتي الأدلة الجنائية التي تنطق بها الجوامد كمعيار حاسم في تأكيد مدى صدقية الشاهد.

 
    القسم الثاني: وسائل الإثبات المستمدة من الجوامد ـ الأدلة الجنائية ـ
    إذا كان الإنسان الشاهد أو المشتبه به أو المتهم معرضاً للنسيان أو حتى الكذب في محاولة لإخفاء الحقيقة، وإذا كان الإنسان يمكن أن يتناقض أحياناً في أجوبته أو حتى يمكن أن يبدل ويحوّر في أقواله بين حين وآخر، فان الجوامد لا تعرف النسيان أو الكذب وهي لا تعطي أبداً إلا ذات الجواب على ذات السؤال، ذلك هو واقع الأدلة الجنائية التي يمكن أن توصل إلى الحقيقة في أي تحقيق جنائي.
    ان الأدلة المستمدة من الجوامد لا تقتصر فقط على القضايا الجزائية بل يمكن أيضاً أن تفيد في القضايا الحقوقية، وبالفعل ان قوانين أصول المحاكمات المدنية تجيز دوماً للقاضي أن يلجأ إلى معاينة المال المتنازع عليه سواء داخل المحكمة أو خارجها من خلال الانتقال إلى موقع المال المتنازع عليه (10)، كما تجيز للقاضي تكليف خبير فني لمعاينة المال المتنازع حوله(11)
    ولكن التحقيق مع الجوامد يرتدي أهمية أكبر في القضايا الجزائية، وبالفعل ان قوانين أصول المحاكمات الجزائية تتضمن نصوصاً كثيرة وصريحة بموضوع التحقيق مع الجوامد أو بالمصطلح القانوني من خلال الأدلة الجنائية، وتبعاً لذلك تضمن قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني نصوصاً كثيرة حول هذا الموضوع.
    فالمادة /31/ من هذا القانون التي حددت صلاحيات المدعي العام في الجنائية المشهودة لحظت ضرورة:
    « ـ تنظيم محضر يثبت ما شاهده من آثار الجريمة ويصف مكان وقوعها وما ظهر له من دلائل على الظروف التي حصلت فيها.
    ـ ضبط الأسلحة وسائر المواد الجرمية المستعملة في الجريمة وجميع الأشياء التي تساعد على كشف الحقيقة، وباستجواب المشتبه فيه عن الأشياء المضبوطة».
    كما ان المادة /33/ من القانون أجازت للمدعي العام « أن يدخل إلى منزل المشتبه فيه للتفتيش عن المواد التي يقدر انها تساعد على إنارة التحقيق. وله أن يضبط ما يجده منها وينظم محضراً بما ضبطه واصفاً إياه بدقة وتفصيل وأن يقرر حفظ المواد المضبوطة بحسب طبيعتها ويجري التفتيش بحضور المشتبه فيه أو المدعى عليه، وان لم يكن حاضراً أو تمنع عن الحضور أو كان متوارياً عن الانظار فيجري التفتيش بحضور وكيله أو اثنين من أفراد عائلته الراشدين أو شاهدين يختارهما النائب العام.
    ـ بعد إتمام عملية التفتيش وضبط المواد يعرض النائب العام على المشتبه فيه أو المدعى عليه أو وكيله أو من سبق ذكرهم المواد المضبوطة ويطلب من كل منهم التوقيع على المحضر الذي يثبتها فان امتنع فيشير إلى ذلك في المحضر.
    ـ إذا وجد النائب العام أثناء التفتيش أشياء ممنوعة فيضبطها وان لم تكن من المواد الناتجة عن الجريمة أو المستعملة فيها أو المتعلقة بها وينظم محضراً بها على حدة.
    ـ وللنائب العام أن يكلف ضابطاً عدلياً بإجراء التفتيش في منزل المشتبه فيه أو المدعى عليه تحت اشرافه ومراقبته ووفقاً للأصول التي يتبعها النائب العام نفسه».
    كما ان المادة /34/ من القانون أجازت للمدعي العام الاستعانة بالخبراء والأطباء، فنصت على ما يلي:
    « إذا استلزمت طبيعة الجريمة أو آثارها الاستعانة بخبير أو أكثر لجلاء بعض المسائل التقنية فيعين النائب العام الخبير المختص ويحدد مهمته بدقة.
    ـ إذا كانت حالة المجني عليه تستلزم المعاينة الطبية أو التشريح فيستدعي النائب العام الطبيب الشرعي أو الطبيب المختص ويكلفه بالمهمة المطلوب تنفيذها بدقة ووضوح.
    ـ لا يباشر الخبير أو الطبيب مهمته إلا بعد ان يحلف اليمين بأن يقوم بها وفق ما يفرضه الضمير والشرف.
    وبعد أن ينجزها يضع تقريراً يذكر فيه المرجع الذي عينه والمهمة المحددة له والإجراءات التي قام بها والنتيجة التي خلص إليها».
    وبالإجمال أجازت المادة /35/ من ذات القانون للمدعي العام أن يقوم بجميع التحقيقات التي يراها مفيدة لجمع الأدلة، فنصت على ما يلي:
    « يقوم النائب العام بأي إجراءات تحقيقية أخرى يراها ضرورية لجمع المعلومات المفيدة عن الجناية ولتوفير الأدلة عليها ولكشف فاعليها أو المتدخلين فيها. ويجب أن تكون الإجراءات مشروعة وغير مشوبة بعيوب الإكراه المعنوي أو المادي».
    وإذا حضر قاضي التحقيق إلى موقع الجريمة المشهودة فإنه يتمتع بنفس الصلاحيات التي يتمتع بها المدعي العام، وبالفعل نصت المادة /56/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني على ما يلي:
    « يمارس قاضي التحقيق في الجناية المشهودة، جميع الصلاحيات التي يتمتع بها النائب العام، يقوم بجميع الأعمال والإجراءات التي أنيطت به والمنصوص عنها في المواد 31 و 32 و 33 و 34 و 35 من هذا القانون».
    كما ان الضابطة العدلية تتمتع بصلاحيات مماثلة عند وقوع الجريمة المشهودة، وبالفعل نصت المادة /41/ من القانون على ما يلي:
    « إذا وقعت جريمة مشهودة ينتقل الضابط العدلي فوراً إلى مكان حصولها ويبلغ النائب العام المختص بها. ويحافظ على الآثار والمعالم والدلائل القابلة للزوال وعلى كل ما يساعد على جلاء الحقيقة. يضبط الأسلحة والمواد المستعملة في الجريمة أو الناتجة عنها. يستمع إلى الشهود دون تحليفهم اليمين. يقوم بالتحريات ويقبض على من تتوافر شبهات قوية حول ارتكابه الجريمة أو اسهامه فيها ويجري التفتيش في منزله ويضبط ما يعثر عليه من مواد جرمية أو أشياء ممنوعة. يستعين بالخبرة عند الاقتضاء».
    كما ان القانون أعطى للضابطة العدلية، وبتكليف من النيابة العامة، « استقصاء الجرائم غير المشهودة وجمع المعلومات عنها والقيام بالتحريات الرامية إلى كشف فاعليها والمساهمين في ارتكابها. وجمع الأدلة عليهم، بما يستلزم ذلك من ضبط المواد الجرمية وإجراء كشوفات حسية على أماكن وقوع الجرائم ودراسات علمية وتقنية على ما خلقته من آثار ومعالم» (12)،
    كما ان لقاضي التحقيق، خارج الجريمة المشهودة، أن ينتقل إلى موقع الجريمة لإجراء كشف حسي هناك (13)
    ومن ثم فإن كل ما قامت به لجنة التحقيق الدولية في الجريمة النكراء باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الأبرار، من كشوفات حسية في موقع الجريمة ومن اللجوء إلى الخبرات العلمية والفنية في تحليل الأدوات التي استعملت في التحضير للجريمة النكراء أو تنفيذها، يتطابق مع ما تنص عليه قوانين أصول المحاكمات الجزائية الحديثة بما في ذلك قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني.
    وإذا عدنا إلى تقرير برامرتس الأخير نلحظ مدى أهمية التحقيقات التي أجرتها اللجنة من خلال الجوامد التي لا تكذب، كما نلحظ بعض النتائج التي ألمحت إليها اللجنة في التقرير.
    لقد ورد في البند /4/ من التقرير اشارة ملخصة إلى التحقيقات المجراة من خلال الجوامد بالقول:
    « في حين ركزت اللجنة في تقريرها الأخير على نتائج معاينتها الجنائية لمسرح الجريمة والانفجار الذي أدّى إلى مقتل الحريري و 22 آخرين، ركزت في المرحلة التي يشملها هذا التقرير أيضاً على التحقيق حول الأشخاص الذين شاركوا في مستويات مختلفة في تنفيذ هذه الجريمة. وقد استدعى هذا مهمّات جنائية إضافية مثل أبحاث وتحاليل الحمض النووي ومعاينة المعدّات الإلكترونية والرقمية والخاصّة بالاتصالات وتحليلها، والأبحاث في مجال البصمات والتحاليل المقارَنة، وتحليل الهواتف الخليويّة والمعاينة الجنائية للوثائق».
    ثم أفرد التقرير بعض البنود لتفصيل التحقيقات المتعلقة بمسرح الجريمة وبالاتصالات الهاتفية.

    1 ـ التحقيق من خلال مسرح الجريمة
    ورد في البند /12/ من التقرير ما يلي:
    « بعدما أنجزت اللجنة الجمع النهائي للأدلة الجنائية من مسرح الجريمة والذي اكتمل في حزيران 2006، جرى التوصّل إلى عدد من النتائج ما يسمح بالتثبّت أكثر من نظرية القضية الحالية في ما يتعلق بمسرح الجريمة والنواحي ذات الصلة، ويقدم خيوطاً جديدة في التحقيق. وتعدّ اللجنة أيضاً جدولاً شاملاً بالأدلة الجنائية وقاعدة بيانات عن كلّ الأدلة التي هي بحوزة السلطات اللبنانية، وتلك التي هي بحوزة اللجنة».
    ومن خلال التحقيق في مسرح الجريمة يمكن تلمس النتائج التالية من خلال التقرير:
    ـ توصلت الجنة إلى جمع /27/ جزءاً من أشلاء بشرية تعود لذات الشخص، كما عثر على سن للشخص ذاته وهو في بداية العشرين من عمره، وتعتقد اللجنة ان هذا الشخص هو الذي فجر القنبلة ( البنود 13/14 من التقرير).
    وقد أوضح برامرتس خلال جلسة الاستماع إليه أمام مجلس الأمن في 29/9/2006 ان هناك تجارب تجري « لفحوص شرعية لتحديد الانتماء الاقليمي لهذا الشخص. كما تجري مقارنة حمض نووي بمثيلات له من دول أخرى» وذلك من أجل تحديد جنسية هذا الشخص.  
    ـ« طوّرت اللجنة استنتاجاتها حول الطريقة التي وضعت فيها الشحنة المتفجرة في الشاحنة لتحقيق النتائج المبتغاة، وكيف وُصلت المتفجّرات بأسلاك لتنفجر بالطريقة التي انفجرت بها. سمحت الاختبارات التي أجريت بواسطة شحنات متفجّرة جرى حشوها ووضعها بأشكال مختلفة، بفهم كيف وضعت المتفجرات في شاحنة الميتسوبيتشي وأين وضعت، وكيف تم تفجير الأداة » (البند 19 من التقرير).
    ـ وضعت اللجنة ثلاثة احتمالات لوزن المواد المتفجرة حسب علو موضع المتفجرة عن سطح الأرض، وذلك على الشكل التالي:
    /500/ كلغ في حال وضعت العبوة على عمق 1.7م. تحت سطح الأرض ـ و /1200/ كلغ في حال وضعت فوق الأرض ـ و /1800/ كلغ في حال وضعت بعلو 80 سنتم فوق الأرض.
    في حين ان اللجنة نفسها تتوقع أن تكون العبوة وضعت بعلو 80 سنتم فوق الأرض وبالتالي أن تكون زنة العبوة /1800/ كلغ.( البند 20 من التقرير).
    ـ أجرت اللجنة اختبارات لمعرفة ما إذا كان حصل انفجار واحد أو انفجارين، وخلصت إلى ترجيح حصول انفجار واحد.
    وبالفعل ورد في البند /32/ من التقرير ما يلي:
    « أجريت اختبارات لقياس حجم الانفجار بهدف معرفة إن كان قد حصل انفجار واحد أم اثنان، فوق الأرض أو تحتها. وكانت الأهداف وضع تصوّر عن كرة النار وتقويم الآثار على البنى وتقدير مسار الأجزاء التي طارت بسرعة فائقة وحجم الفوهة وخصائصها، وتسجيل الضغوط التي أحدثتها الصدمة والضغوط الصوتية بواسطة ميكروفونات من مسافات مختلفة لتحديد الموجات المنعكسة من أيّ سطح عاكس. ستسمح المحاكاة الرقمية للجنة بمعرفة ما إذا كان موقع كلّ شاهد ووضعه لحظة الانفجار يتطابق مع احتمال سماعه صوت واحد أو صوتين لحظة الانفجار وبعده مباشرة. من الضروري إجراء مرحلة نهائية من المقابلات لحسم هذه الناحية في التحقيق، حيث سيستمع كلّ شاهد مجدداً إلى تسجيلات لصوت الانفجار أو اختبارات الموجات الصوتيّة من أجل تحديد الخصائص السمعيّة للانفجار المتعلقّة بموقع كلّ شاهد في مسرح الجريمة. في انتظار هذه النتائج، تميل اللجنة في هذه المرحلة إلى الفرضية التي تعتبر ان انفجاراً واحداً حصل، وأنّ ظاهرة الصوتين اللذين سمعهما عدد من الشهود يمكن تفسيرها علمياً».
    ـ توصلت اللجنة إلى عدد من الخيوط الجديدة تتعلق بمسرح الجريمة وجواره بما في ذلك ما قيل عن التلاعب بمسرح الجريمة، وبالفعل ورد في البند /36/ من التقرير ما يلي:
    « حددت اللجنة عدداً مهماً من الخيوط الجديدة تتعلق بمسرح الجريمة وجواره والارتكاب المباشر للجريمة، وبدأت عملاً تحقيقياً وتحليلياً حول كل منها. وتشمل المواضيع التحقيق في الملابسات المحيطة بأفراد وآليات معيّنة في مسرح الجريمة قبل الانفجار وأثناءه وبعده مباشرة، وأمور أخرى ذات صلة، والنظر في مزاعم تتعلّق بالتلاعب بمسرح الجريمة بعد الانفجار».

    2 ـ التحقيق من خلال الاتصالات الهاتفية
    ورد في البند /39/ من التقرير ما يلي:
    « كرست اللجنة موارد مهمة لتحليل الاتصالات والتحقيق فيها. وقد أدّت هذه الناحية إلى نتائج مهمة وتسمح للجنة التوصّل إلى روابط ما كانت لتتضح بأي طريقة أخرى... لقد وضحّ هذا العمل عدداً من الخيوط وما زال يؤمن للجنة فهماً أفضل لخيوط الاتصالات المتعلقة بالجرائم».
    ولم يقتصر عمل اللجنة على تحليل الاتصالات داخل لبنان، بل شمل أيضاً بعض الاتصالات حتى مع خارج لبنان، وبالفعل ورد في البندين 42 و 43 ما يلي:
    « ما زال البعد الدولي لتحليل الاتصالات يقدّم خيوطاً تحقيقية بينما تطوّر اللجنة معارفها في تعقيدات الاتصالات الدولية وتتلقى ردوداً من دول جرى فيها رصد اتصالات هاتفية. حتى الآن، أشركت اللجنة 17 دولة في هذا العمل وتلقت مساعدة مهمّة وردوداً من عدد منها.
    تجري مراجعة خيوط الاتصالات من داخل لبنان أو من خارجه عن أشخاص تأمل اللجنة مقابلتهم أو تستمرّ في التحقيق في شأنهم، وتقدّم النتائج المزيد من الخيوط».
    ولقد أورد التقرير ان تحليل الاتصالات الهاتفية أدى بشكل أفضل إلى فهم « النواحي الإعدادية للهجوم» ( البند 40 من التقرير).
    وأشار التقرير، وضمن تحليل الاتصالات الهاتفية، كمثال عما وفره تحليل الاتصالات للجنة، إلى انه أصبح لدى اللجنة « معلومات أوضح وأكثر تفصيلاً حول أنشطة حاملي بطاقات الخليوي الستة الذين يفترض أنهم كانوا جزءاً من فريق التفجير، على صعيدي الجغرافيا والاتصالات» ( البند 40 من التقرير).
 
    الخلاصة
    بالطبع كون التقرير هو تقرير اجرائي فإنه لم يذكر أياً من أسماء الفاعلين أو المحرضين أو المشتركين أو المتدخلين، ولكن يسطع من ثنايا التقرير ان في جعبة اللجنة من الأدلة ما يمكنها من متابعة السير في التحقيق لجلاء الحقيقة كاملة وتحديد الأدوار في الجريمة النكراء، وقد ألمحت إلى ذلك في مقاطع كثيرة من التقرير وعلى سبيل المثال:
    ـ ما ورد في البند /40/ من التقرير من اعتبار حاملي بطاقات الخليوي الستة كجزء من فريق التفجير.
    ـ تحديد الشخص الذي فجر العبوة ( البند 14 من التقرير).
    ـ المعلومات المتوفرة لدى اللجنة حول فرص تنفيذ الهجوم على الشهيد رفيق الحريري، وامتناع فريق التفجير عن الاستفادة من تلك الفرص لأسباب لا زالت اللجنة تعمل على جلائها    ( البند 23 من التقرير).
    ـ المعلومات المتوافرة لدى لجنة التحقيق والتي تفيد أن الفريق الذي يفترض أنه نفذ التفجير رصد تحركات سابقة للرئيس الشهيد المرحوم رفيق الحريري ( البند 24 من التقرير).
    ـ الاتصالات الهاتفية بين فريق التفجير أثناء وجود الرئيس رفيق الحريري في البرلمان ثم خروجه منه وزيارة مقهى محلي لمدة /15/ دقيقة، الأمر الذي أدى إلى توقيف الاتصالات الهاتفية بين بعض أعضاء فريق التفجير مدة /15/ دقيقة ( البندين 29 و 30 من التقرير).
    ـ يضاف الى كل ذلك ما ورد في أقوال الشهود الذين استمعت اليهم اللجنة على كل الاصعدة والمستويات
    بالطبع ان اللجنة ما زالت بحاجة إلى مزيد من الوقت لإنهاء تحقيقاتها، وقد أشارت في البند /100/ من التقرير إلى برنامج عملها في المرحلة القادمة، كما أشارت إلى ان التعاون السوري الكامل في تلك المرحلة يبقى « حاسماً من أجل انجاز عمل اللجنة بسرعة» ( البند 82 من التقرير).
ومع انتهاء التحقيقات تمهيداً لصدور القرار النهائي، في المرحلة القادمة، يؤمل أن يكون عقد المحكمة ذات الطابع الدولي قد اكتمل حتى يساق إليها المحرضون والمنفذون والمشتركون والمتدخلون والأغلال تكبل أيديهم.

(1) حلمي الحجار، الوسيط في أصول المحاكمات المدنية، طبعة خامسة، ج2 بند 276.
(2) تمييز رابعة رقم 24 تاريخ 7/4/1975 حاتم ج 162 ص282؛ دراسة القاضي حبيب حدثي بعنوان       
   «  الشهادة غير المباشرة في معرض الإثبات» النشرة القضائية   اللبنانية لعام 1975  ص 5  وما يليها.
    راجع أيضاً: السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج2 بند 162 Encyc. Dal. Droit civil. Preuve No 881.        
(3) المادة /262/ من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبنانية.
(4)المواد /254/ وما يليها.
(5) المواد /85/ وما يليها.
(6) المواد /181/ وما يليها.
(7) المواد /248/ وما يليها.
(8) المادة /295/ من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني.
(9) تمييز رقم 64 تاريخ 7/11/1963، النشرة القضائية اللبنانية لعام 1963 ص 937، تمييز رقم 45 تاريخ
    19/6/1991، عفيف شمس الدين المصنف في أصول المحاكمات ص 317؛ Civ.23 oct.1950, Gaz. Pal. 1950,2,424      
(10) المادة /308/ وما يليها من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني، وتقابلها المادة /179/ من قانون أ.م.م.
     الفرنسي الصادر عام 1975.
(11) المادة /312/ وما يليها من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني.           
(12) المادة /47/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني.
(13) المادة /61/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية.